يقال: صدقناهم ; وما يقال آمنا لهم ; فإن الإيمان مشتق من الأمن. فإنما يستعمل في خبر يؤتمن عليه المخبر كالأمر الغائب الذي يؤتمن عليه المخبر ; ولهذا لم يوجد قط في القرآن وغيره لفظ آمن له إلا في هذا النوع ; والاثنان إذا اشتركا في معرفة الشيء يقال: صدق أحدهما صاحبه ولا يقال: آمن له لأنه لم يكن غائبا عنه ائتمنه عليه ولهذا قال: {فآمن له لوط} {أنؤمن لبشرين مثلنا} . {آمنتم له} . {يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} فيصدقهم فيما أخبروا به. مما غاب عنه وهو مأمون عنده على ذلك فاللفظ متضمن مع التصديق ومعنى الائتمان والأمانة ; كما يدل عليه الاستعمال والاشتقاق ولهذا قالوا: {وما أنت بمؤمن لنا} أي لا تقر بخبرنا ولا تثق به ولا تطمئن إليه ولو كنا صادقين ; لأنهم لم يكونوا عنده ممن يؤتمن على ذلك. فلو صدقوا لم يأمن لهم. (الثالث) : أن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق فإنه من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له: صدقت أو كذبت ويقال: صدقناه أو كذبناه ولا يقال لكل مخبر: آمنا له أو كذبناه ; ولا يقال أنت مؤمن له أو مكذب له ; بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر. يقال: هو مؤمن أو كافر والكفر لا يختص بالتكذيب ; بل لو قال: أنا أعلم إنك صادق لكن لا أتبعك بل أعاديك وأبغضك وأخالفك ولا أوافقك لكان كفره أعظم ; فلما كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط علم أن الإيمان ليس هو التصديق فقط بل إذا كان الكفر يكون تكذيبا ويكون مخالفة ومعاداة وامتناعا بلا تكذيب ; فلا بد أن يكون الإيمان تصديقا مع موافقة وموالاة وانقياد لا يكفي مجرد التصديق ; فيكون الإسلام جزء مسمى الإيمان كما كان الامتناع من الانقياد مع التصديق جزء مسمى الكفر فيجب أن يكون كل مؤمن مسلما منقادا للأمر وهذا هو العمل. فإن قيل: فالرسول صلى الله عليه وسلم فسر الإيمان بما يؤمن به. قيل: فالرسول ذكر ما يؤمن به لم يذكر ما يؤمن له وهو نفسه يجب أن يؤمن به ويؤمن له فالإيمان به من حيث ثبوته غيب عنا أخبرنا به وليس كل غيب آمنا به علينا أن نطيعه وأما ما يجب من الإيمان له فهو الذي يوجب طاعته والرسول يجب الإيمان به وله فينبغي أن يعرف هذا وأيضا فإن طاعته طاعة لله وطاعة الله من تمام الإيمان به. (الرابع) : أن من الناس من يقول: الإيمان أصله في اللغة من الأمن الذي هو ضد الخوف; {فآمن} أي صار داخلا في الأمن وأنشدوا000 (بياض في الأصل) وأما"المقدمة الثانية"فيقال: إنه إذا فرض أنه مرادف للتصديق فقولهم: إن التصديق لا يكون إلا بالقلب أو اللسان ; عنه جوابان."أحدهما": المنع بل الأفعال تسمى تصديقا كما ثبت في"الصحيح"عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {العينان تزنيان وزناهما النظر ; والأذن تزني وزناها السمع ; واليد تزني وزناها البطش ; والرجل تزني وزناها المشي والقلب يتمنى ذلك ويشتهي ; والفرج يصدق ذلك أو يكذبه} . وكذلك قال أهل اللغة وطوائف من السلف والخلف. قال الجوهري: والصديق مثال الفسيق: الدائم التصديق. ويكون الذي يصدق قوله بالعمل. وقال الحسن البصري: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكنه ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال وهذا مشهور عن الحسن يروى عنه من غير وجه كما رواه عباس الدوري: حدثنا حجاج ; حدثنا أبو عبيدة الناجي عن الحسن قال: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ; ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال. من قال حسنا وعمل غير صالح رد الله عليه قوله ومن قال حسنا وعمل صالحا رفعه العمل ذلك بأن الله يقول: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} ورواه ابن بطة من الوجهين. وقوله: ليس الإيمان بالتمني - يعني الكلام - وقوله: بالتحلي. يعني أن يصير حلية ظاهرة له فيظهره من غير حقيقة من قلبه ومعناه ليس هو ما يظهر من القول ولا من الحلية الظاهرة ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال فالعمل يصدق أن في القلب إيمانا وإذا لم يكن عمل كذب أن في قلبه إيمانا لأن ما في القلب مستلزم للعمل الظاهر. وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم.""