فهرس الكتاب

الصفحة 20586 من 28557

وصاحب هذا هو عند الله كافر؛ لعلمه بما يموت عليه، وكذلك قالوا في الكفر. وهذا المأخذ هو مأخذ كثير من المتأخرين من الكلابية وغيرهم ممن يريد أن ينصر ما اشتهر عن أهل السنة والحديث من قولهم: أنا مؤمن إن شاء الله، ويريد أن الإيمان لا يتفاضل، ولا يشك الإنسان في الموجود، وإنما يشك في المستقبل"."

الفريق الثاني من الأشاعرة: لم يجعل الموافاة شرطا في كون الإيمان إيمانا حقيقيا في الحال، بل شرطا في استحقاق الثواب عليه، وعلى هذا فهم يستثنون في المآل لا الحال. وإلى هذا ذهب كثير من الأشاعرة، وخالفوا شيخهم الأشعري في هذه المسألة، وممن قال بهذا القول الباقلاني، والجويني، وأبو إسحاق الاسفراييني، يقول الأنصاري:"ومن أصحابنا من لم يجعل الموافاة على الإيمان شرطا في كونه إيمانا حقيقيا في الحال، وإن جعل ذلك شرطا في استحقاق الثواب عليه."

وهذا مذهب المعتزلة، والكرامية، وهو اختيار أبي إسحاق الاسفراييني، وكلام القاضي يدل عليه. قال: وهو اختيار شيخنا أبي المعالي، فإنه قال: الإيمان ثابت في الحال قطعا لا شك فيه، ولكن الإيمان الذي هو علم الفوز وآية النجاة إيمان الموافاة، فاعتنى السلف به، وقرنوه بالاستثناء، ولم يقصدوا الشك في الإيمان الناجز.

قال - أي الأنصاري: ومن صار إلى هذا يقول: الإيمان صفة يشتق منها اسم المؤمن، وهو المعرفة والتصديق، كما أن العالم يشتق من العلم، فإذا عرفت ذلك من نفسي قطعت به كما قطعت بأني عالم وعارف ومصدق. فإن ورد في المستقبل ما يزيله خرج إذ ذاك عن استحقاق هذا الوصف، ولا يقال: تبينا أنه لم يكن إيمانا مأمورا به، بل كان إيمانا مجزئا، فتغير وبطل، وليس كذلك قوله: أنا من أهل الجنة، فإن ذلك مغيب عنه، وهو مرجو"."

فهذا الفريق من الأشاعرة لا يستثني في الحال، وإنما يستثني في المستقبل؛ لأن مذهبه أن الإيمان الحاضر لا يحتاج لربطه بالمشيئة؛ لصحته، بخلاف الإيمان في المستقبل، فإنه لا يدري بم يختم له به.

وما تقدم يكشف أن الأشاعرة اشتركوا في أصل، وافترقوا في تفاصيله، فهم يقولون بالاستثناء؛ تعليلا بالموافاة، ونسبوا ذلك إلى السلف، محتجين بقول ابن مسعود رضي الله عنه لما قيل له: إن قوما يقولون: إنا مؤمنون، فقال: أفلا سألتموهم أفي الجنة هم؟

وفي رواية: قيل له: إن هذا يزعم أنه مؤمن، قال: فاسألوه أفي الجنة هو أو في النار؟

فسألوه، فقال: الله أعلم، فقال له عبدالله: فهلا وكلت الأولى كما وكلت الثانية؟

وكذلك روي عن عمر رضي الله عنه قوله: من قال: أنا مؤمن فهو كافر، ومن قال أنا عالم فهو جاهل، ومن قال هو في الجنة فهو في النار. قالوا: فلو جاز القطع على أنا مؤمنون لكان ذلك قطعا على أنا في الجنة؛ لأن الله وعد المؤمنين الجنة، ولا يجوز القطع على الوعد بالجنة؛ لأن من شرط ذلك الموافاة بالإيمان، ولا يعلم ذلك إلا الله، وذلك الإيمان إنما يحصل بالموافاة ولا يعلم ذلك إلا الله، وكذلك الإيمان إنما يحصل بالموافاة.وقالوا: المؤمن هو من سبق في علم الله أنه يختم له بالإيمان، والكافر من سبق في علم الله أنه كافر، وأنه لا اعتبار بما كان قبل ذلك.

هذه هي شبهتهم في مذهبهم في الموافاة، وربط الاستثناء بها، ومن ثم فستكون مناقشة هذه المسألة تدور فيما يلي:

أولًا: دعواهم أن القول بالموافاة قول السلف.

والجواب عن ذلك أن يقال: إن السلف لما قالوا بالاستثناء لم يكن مقصودهم الموافاة، وإنما مقصودهم أن الإيمان المطلق يتضمن فعل المأمورات، فقوله: أنا مؤمن، كقوله: أنا ولي الله، وأنا من الأبرار، ونحو ذلك. قال شيخ الإسلام:"وأما الموافاة، فما علمت أحدا من السلف علل بها الاستثناء، ولكن كثير من المتأخرين يعلل بها من أصحاب الحديث، من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم، كما يعلل بها نظارهم، كأبي الحسن، وأكثر أصحابه، لكن ليس هذا قول سلف أصحاب الحديث".ويقول:"وعند هؤلاء لا يعلم أحد أحدا مؤمنا إلا إذا علم أنه يموت عليه، وهذا قاله كثير من أهل الكلام أصحاب ابن كلاب، ووافقهم على ذلك كثير من أتباع الأئمة، لكن ليس هذا قول أحد من السلف، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا كان أحد من السلف الذين يستثنون في الإيمان يعللون بهذا، لا أحمد ولا من قبله".

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت