فهرس الكتاب

الصفحة 20706 من 28557

ونصلي كما تصلون , ونقرأ كما تقرؤون , ونتصدق كما تصدقون , ونحج كما تحجون؟ فما الذي فرق بيننا اليوم حتى انفردتم دوننا بالمرور؟ {قَالُوا بَلَى} ولكنكم كانت ظواهركم معنا وبواطنكم مع كل ملحد , وكل ظلوم كفور {وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ، فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} .

لا تستطل أوصاف القوم؛ فالمتروك - والله - أكثر من المذكور. كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم , لكثرتهم على ظهر الأرض وفي أجواف القبور. فلا خلت بقاع الأرض منهم لئلا يستوحش المؤمنون في الطرقات , وتتعطل بهم أسباب المعايش , وتخطفهم الوحوش والسباع في الفلوات. سمع حذيفة - رضي الله عنه - رجلا يقول: اللهم أهلك المنافقين فقال:"يا ابن أخي لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم من قلة السالك".

تالله لقد قطع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين لعلمهم بدقة وجله وتفاصيله وجمله. ساءت ظنونهم بنفوسهم حتى خشوا أن يكونوا من جملة المنافقين. قال عمر بن الخطاب لحذيفة - رضي الله عنهما:"يا حذيفة , نشدتك بالله هل سماني لك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم؟ قال: لا , ولا أزكي بعدك أحدا"وقال ابن أبي مليكة:"أدركت ثلاثين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه , ما منهم أحد يقول إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل"ذكره البخاري. وذكر عن الحسن البصري:"ما أمنه إلا منافق وما خافه إلا مؤمن"ولقد ذكر عن بعض الصحابة أنه كان يقول في دعائه:"اللهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق. قيل وما خشوع النفاق؟ قال أن يرى البدن خاشعًا والقلب ليس بخاشع".

تالله لقد ملئت قلوب القوم إيمانًا ويقينًا , وخوفهم من النفاق شديد , وهمهم لذلك ثقيل , وسواهم كثير منهم لا يجاوز إيمانهم حناجرهم؛ وهم يدعون أن إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل!.

زرع النفاق ينبت على ساقيتين: ساقية الكذب , وساقية الرياء. ومخرجهما من عينين: عين ضعف البصيرة , وعين ضعف العزيمة. فإذا تمت هذه الأركان الأربع: استحكم نبات النفاق وبنيانه؛ ولكنه بمدارج السيول على شفا جرف هار؛ فإذا شاهدوا سيل الحقائق يوم تبلى السرائر , وكشف المستور , وبعثرما في القبور , وحصل ما في الصدور , تبين حينئذ لمن كانت بضاعته النفاق , أن حواصله التي حصلها كانت كالسراب {يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} .

قلوبهم عن الخيرات لاهية , وأجسادهم إليها ساعية , والفاحشة في فجاجهم فاشية. وإذا سمعوا الحق كانت قلوبهم عن سماعه قاسية. وإذا حضروا الباطل وشهدوا الزور انفتحت أبصار قلوبهم وكانت آذانهم واعية.

فهذه - والله - أمارات النفاق. فاحذرها أيها الرجل قبل أن تنزل بك القاضية. إذا عاهدوا لم يفوا , وإن وعدوا أخلفوا , وإن قالوا لم ينصفوا , وإن دعوا إلى الطاعة وقفوا , وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول صدفوا , وإذا دعتهم أهواؤهم إلى أغراضهم أسرعوا إليها وانصرفوا! فذرهم وما اختاروا لأنفسهم من الهوان , والخزي والخسران. فلا تثق بعهودهم , ولا تطمئن إلى وعودهم , فإنهم فيها كاذبون , وهم لما سواها مخالفون {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ، فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ، فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ} .. )) (5) .

1/ هذا الكلام يشير به إلى أهل التأويل"الأشاعرة"في تعاملهم مع نصوص الوحيين.

2/ السكة: الحديدة التي تطبع عليها الدراهم ثم قيل للدراهم المضروبة سكة لأنها ضربت بها. غريب الحديث للخطابي.

3/ المعنى أنهم يحملون الكتاب والسنة ولا يعملون بنصوصها حق العمل وهو إجراء آيات وأحاديث الصفات على ظاهرها كما كان عليه السلف في العقيدة.

4/ نقل المحقق: أن هذا الكلام عبارة عن أثر مروي في صحيح مسلم عن ابن مسعود - رضي الله عنه -.

5/ مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين , ج1 ص607 , تأليف / أبي عبدالله محمد بن قيم الجوزية , دار طيبة , تحقيق /عبد العزيز الجليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت