فهرس الكتاب

الصفحة 20708 من 28557

-أن استخدام عنوان الإرهاب كذريعة للحرب على الجمعيات الخيرية الإسلامية أمر لم يكن لينطلي على أحد؛ فالكلمة نفسها تستخدم بمناسبة وبدون مناسبة لوصف كل مناهض لأمريكا وإسرائيل؛ بل أصبحت الكلمة والتهمة تستخدم من قبل كل من يريد استعداء أمريكا وإسرائيل والغرب، على جماعة أو دولة أو فرد لترهيب خصومه أو إسكاتهم، وبديهي فإن الحرب على الإرهاب لا علاقة لها بالعمل الخيري أساسًا، ويمكن محاسبة كل فرد أو مجموعة على الأخطاء-لو كان الاتهام صحيحًا- دون المساس بالفكرة أو العمل الخيري عمومًا. على كل حال؛ فإن ما لاحظناه حول استخدام كلمة الإرهاب بطريقة فجة وممجوجة ومزدوجة المعايير ومنافقة هو في حد ذاته دليل على تهافت التهمة الموجهة للجمعيات الخيرية الإسلامية.

-يربط البعض عادة بين الحرب على الجمعيات الإسلامية أو الإسلام أو المظاهر الإسلامية وبين أحداث 11 سبتمبر 2001، وهو ربط غير صحيح من وجهة نظرنا؛ فلا علاقة سببية بين الاثنين؛ بل يمكن القول إن الحادث قد استُخدم كذريعة أو تبرير أو مناسبة لتصعيد الهجوم على المظاهر الإسلامية، والحقيقة أن هناك وجدانًا صليبيًا غربيًا معروفًا، يمثل الظاهرة الرئيسة في التاريخ الغربي كله، وقد تخفت حدته أحيانًا بسبب وجود تناقضات ثانوية (كالتناقض السابق بين الاتحاد السوفييتي وأمريكا) ، ولكن ما إن يتم حل هذه التناقضات الثانوية حتى يبرز التناقض الأساسي والجوهري، وهكذا فإن الحرب على الإسلام والظواهر الإسلامية لم تتوقف منذ ظهور الإسلام وحتى اليوم، وهذه طبيعة الصراع الإسلامي/ الشيطاني، ولكن المناسبة الأكبر لتسارع وتيرة هذه الحرب هو سقوط الاتحاد السوفييتي السابق والمنظومة الشيوعية وليس أحداث 11 سبتمبر.

-أن من المعروف في قواعد مناهضة أية فكرة أو حركة ضرورة ضرب حلقاتها الوسيطة باعتبارها الرابط بين الجذر والثمار المرجوة؛ لأن من المستحيل عمليًا اقتلاع الجذور، أو أن ذلك صعب جدًا. أما قطع الساق فهو الطريق الأسهل لمنع ظهور الثمار، وهكذا ووفقًا لفرضية الباحث المذكور سابقًا بأن الجمعيات الخيرية هي الحلقة الوسيطة بين القيمة والجهاد؛ فإن ضرب الإسلام يقتضي ضرب تلك الحلقة الوسيطة.

-وهل من المفيد هنا انطلاقًا من النقطة السابقة أن نبحث عن الأسباب العامة والخاصة الاستراتيجية والتكتيكية لضرب الجمعيات الخيرية الإسلامية، فهي تأتي في الصراع الحضاري الممتد في التاريخ والجغرافيا بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية؛ أي في إطار الصراع بين فكرة التوحيد والعدل والحرية واللا عنصرية والتسامح، وبين العنف والقهر والنهب والوثنية والعنصرية والظلم وازدواج المعايير، وهي تأتي في محاولة فرض قبول الرأسمالية على العالم، وذلك أنه بعد انهيار الشيوعية وثبوت فشلها نظريًا وفلسفيًا وتطبيقيًا؛ فإن المنظومة الإسلامية هي الوحيدة المرشحة لمناهضة الرأسمالية؛ ليس بالنسبة للمسلمين فقط؛ بل بالنسبة لكل سكان العالم المتضررين من الرأسمالية، لأن الإسلام يمتلك خطابًا عالميًا وإنسانيًا، ويمتلك خطابًا منحازًا للمستضعفين والفقراء، وينصفهم ولا يظلمهم، ويمتلك خطابًا غير عنصري، وهو بهذه المثالية يمكن أن يكون إيديولوجية للمستضعفين في العالم، والراغبين في مناهضة العولمة والرأسمالية، بالإضافة إلى كونه دينًا، ومنظومة قيمية للمسلمين تَحُول دون خضوعهم أو قبولهم بالانصياع للقيمة الغربية والأمريكية، وهكذا فهو الأساس الصحيح لظهور الرفض والمقاومة، وعدم الانصياع وتعطيل مشروع الهيمنة (الأمريكي - الصهيوني) على العالم، وبالتالي فإن ضرب وتصفية الجمعيات الخيرية الإسلامية هو نوع من الحرب الاستباقية على الدور الإسلامي المتوقع، وهو نوع من الحرب الدعائية الإعلامية غير المباشرة، فبدلًا من أن تقوم تلك الجمعيات بتزويد المجتمعات الإسلامية بقدر أكبر من القدرة على الاستمرار والصمود، ونشر القيم الإسلامية، وبدلًا من أن يتم الحديث عن الإسلام باعتباره يرعى اليتيم، ويساعد الفقير، ويُبقي بئر الماء، ويساعد على التعليم؛ يتم الحديث عنه فقط - زورًا - بلفظ الإرهاب والعنف والبربرية؛ وبالتالي تنجح الحملة العالمية الأمريكية الصهيونية في تشويه صورة الإسلام وحصاره.

بالإضافة إلى ذلك فإن العمل الخيري الإسلامي هو نوع من المانع الضروري لشل قدرة جماعات التنصير والتغريب عن العمل، والتي تخدع الناس وتحاول شراء وجدانهم بالمساعدات، ومن المعروف أن هناك علاقة جدلية بين التنصير والاستعمار فكلاهما يخدم الآخر، وكل منهما يؤدي إلى الآخر، وبالتالي فإن إزاحة العوائق من أمام المنصَّرين هدف أمريكي استعماري صهيوني مباشر واستراتيجي، وفي هذا الصدد؛ فإن الحرب على الجمعيات الخيرية تصبح ضرورية لنجاح مخطط التنصير.

بالطبع فإن العمل الخيري الإسلامي تقع فيه أخطاء ولكن الأخطاء يمكن إدراكها ومعرفتها وحلها ولن يخلو عمل بشري من الأخطاء قط، ونزعم أن العمل الخيري الإسلامي هو الأفضل من حيث شفافيته، ولكن الأخطاء فيه نادرة بالنسبة للجمعيات الخيرية اليهودية أو المسيحية، ورغم كل الفضائح والجرائم التي ارتكبتها الجمعيات المسيحية واليهودية؛ فإن أحدًا لم يطالب بإلغائها أو تصفيتها وهكذا فإن تهافت مبررات الحرب على الجمعيات الخيرية الإسلامية تُبَيّن أن المسألة حرب على الإسلام تأخذ أشكالًا متعددة؛ منها الحرب على الجمعيات الخيرية الإسلامية!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت