فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وقال ابن القيم رحمه الله: وقد شرع النبي صلى الله عليه وسلم لأمته إذا سلموا على أهل القبور، أن يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه، فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل، ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب المعدوم والجماد، والسلف مجمعون على هذا، وقد تواترت الآثار عنهم، بأن الميت يعرف زيارة الحي له، ويستبشر به، وقال أيضًا: ويكفي في هذا تسمية المسلِّم عليهم زائرًا، ولولا أنهم يشعرون به لما صح تسميته زائرًا، فإن المزور إن لم يعلم بزيارة من زاره، لم يصح أن يقال زاره، هذا هو المعقول من الزيارة عند جميع الأمم، وكذلك السلام عليهم أيضًا، فإن السلام على من لا يشعر، ولا يعلم بالمسِّلِمِ محال، وقد علم النبي أمته إذا زاروا القبور، أن يقولوا: سلامٌ عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم، والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، وهذا السلام والخطاب والنداء لِمَوجُود، يسمع، ويخاطب، ويعقل ويرد، وإن لم يسمعِ المسلِّم الرد، وإذا صلى الرجل قريبًا منهم شاهدوه، وعلموا صلاتَهُ، وغبطوه على ذلك.
ومما يدل على أن الميت يسمع السلام من الحي ومخاطبته ما ثبت في غير ما حديث في السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، منها: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه قال:"ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام".أخرجه أبو داوود في كتاب المناسك، باب زيارة القبور رقم (2041) 2/ 534، وأحمد 2/ 527، والطبراني في الأوسط رقم (3092) 3/ 262، والبيهقي في السنن الكبرى 5/ 245، وشعب الإيمان رقم (1581) 2/ 217، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داوود رقم (2041) 1/ 570، وفي مشكاة المصابيح رقم (925) 1/ 291، ومنها: عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله وكل بقبري ملكًا أعطاه أسماع الخلائق فلا يصلي علي أحد إلى يوم القيامة إلا أبلغني باسمه واسم أبيه هذا فلان بن فلان قد صلى عليك"أخرجه البزار في مسنده رقم (1425) 4/ 254 - 255، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 10/ 162، وقال: نعيم بن ضمضم ضعفه بعضهم وبقية رجاله رجال الصحيح، وذكره الألباني شاهدًا في السلسلة الصحيحة 4/ 44 - 45، ومنها: عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أكثروا الصلاة علي فإن الله وكل بي ملكًا عند قبري فإذا صلى علي رجل من أمتي قال لي ذلك الملك: يا محمد إن فلان بن فلان صلى عليك الساعة". أخرجه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (1530) 4/ 43 - 45 وصححه.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله:"عند قوله تعالى: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا) أي كافرًا فأحييناه أي بالإيمان والهدى وهذا لا نزاع فيه وفيه إطلاق الموت وإرادة الكفر بلا خلاف وكقوله لّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ وكقوله تعالى وَمَا يستوي الأحياء وَلاَ الأموات أي لا يستوي المؤمنون والكافرون ومن أوضح الأدلّة على هذا المعنى أن قوله تعالى إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى الآية وما في معناها من الآيات كلّها تسلية له صلى الله عليه وسلم لأنه يحزنه عدم إيمانهم كما بيّنه تعالى في آيات كثيرة كقوله تعالى قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ وقوله تعالى وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ وقوله وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وقوله تعالى فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ وكقوله تعالى فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ وقوله تعالى فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى ءاثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الْحَدِيثِ أَسَفًا وقوله تعالى لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ إلى غير ذلك من الآيات كما تقدّم إيضاحه ولما كان يحزنه كفرهم وعدم إيمانهم أنزل اللَّه آيات كثيرة تسلية له صلى الله عليه وسلم بيّن له فيها أنه لا قدرة له صلى الله عليه وسلم على هدي من أضلّه اللَّه فإن الهدى والإضلال بيده جلَّ وعلا وحده وأوضح له أنه نذير"
(يُتْبَعُ)