فهرس الكتاب

الصفحة 20893 من 28557

الإكرام.

ولو أن هذا الغراب كان منصفا لوجّه اللوم لسادته المستعمرين الذين ليس لهم نظام سماوي في الميراث فهم يوزعونه على حسب الهوى ويضيعون أولادهم وبناتهم. ومتى بلغت الفتاة عندهم ست عشرة سنة وكانت من الطبقة الفقيرة أو المتوسطة يقول لها الوالدان باللسان الفصيح ارحلي عنا واشتغلي لتكسبي رزقك فحسبنا أن نكتسب معيشتنا ومعيشة من يبقى من الصغار، وهنا أذكر قصة سمعتها من إذاعة لندن وهي أن فتى مصريا كان يتعلم في بريطانية وكان له صديق في سنه من البريطانيين وكان بينهما ألفة ومحبة يدرسان جميعا ويتنزهان جميعا فجاء البريطاني يوما إلى الفتى المصري يودّعه فقال الفتى المصري إلى أين فقال أنا مسافر إلى حيث أجد رزقي قال وكيف ذلك؟ قال: البارحة أعطاني والدي بضعة دنانير وقالا لي يا ولدنا اذهب في أرض الله واكتسب رزقك فقد بلغت ست عشرة سنة وانتهى واجبنا معك، فأخذ الفتى المصري يبكى بكاء شديدا وقال كيف يكون هذا؟ كيف يسمح والداك بفراقك من أجل لقمة الخبز؟ أقم معي هنا وأنا أقتسم معك ما يبعثه لي والدي فتبسّم الفتى الإنكليزي وشكر صديقه المصري على طيب نفسه وقال له: يا صديقي هذا قانون عام في بلادنا يجري علي وعلى غيري وودّعه وانصرف وتركه في بكائه.

فهؤلاء الغربان الذين يقدسون المستعمرين ويتلقون كل ما جاء منهم بالقبول والإجلال لا يفكرون أبدا في فظاعة طرد الأبوين ابنتهما في الوقت الذي تكون فيه أحوج ما كانت إلى الحماية والرعاية في سن السادسة عشرة ويعرضانها للفجور كمن يخرج درة من صدفها ويلقيها في مزبلة بل هذه أقبح ولكن عبيد الاستعمار مضروبون بسوط هيبته قد فقدوا العقول التي وهبهم الله ليميزوا بها الحسن من القبيح فهم يرون كلما يفعله أئمتهم وإن كان في غاية القبح حسنا وكل ما يخالفهم وإن كان في غاية الحسن قبيحا كما قال الشاعر:

كما أن عين السخط تبدي المساويا وعين الرضا عن كل عيب كليلة

هذا شأن عبيد الاستعمار الغربي، وكذلك عبيد الاستعمار الشيوعي فإنهم مثلهم أو أضل سبيلا فإنهم يقدسون الزعيم ويخترعون له من المزايا والفضائل حتى تضيق العبارات عما يريدون أن يصفوه به فإذا ملّه رفقاؤه وأرادوا أن يتخلصوا منه ليستبدلوه بغيره وقلبوا له ظهر المجن وأنزلوه من العرش وملأوا الدنيا بذمه وانتقاده انقلب مادحوه والمعجبون به، وسلقوه بألسنة حداد وقد لا يكون بين إغراقهم في مدحه ومبالغتهم في ذمه إلا عشية أوضحاها كما وقع لرؤساء اليهود حين أسلم عبد الله بن سلام رضي الله عنه فإنه قال:"يا رسول الله إن اليهود قوم بهت وإنهم إذا علموا بإسلامي بهتوني وعابوني فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي"فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا:"سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا"، فخرج عبد الله بن سلام وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد خبأه في بعض بيوته فقال:"أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله"فقالوا:"أرذلنا وابن أرذلنا وأجهلنا وابن أجهلنا"والقصة مذكورة في صحيح البخاري.

وكنت قبل بضع سنين في برلين فرآني شاب شيوعي أتيمم على تراب فلما صليت قال لي:"ما فائدة التمسح على التراب؟ الوضوء معقول لأن فيه نظافة، وأما التمسح على التراب فهو أمر شكلي ما فيه فائدة"فقلت له:"أنت أخبرتني أن ستالين ألف كتابا في علم التربية وأنه كتاب مقرر في المدارس لتعليم علم التربية، ومن المعلوم أن ستالين لم يكن قط معلما ولا مدير مدرسة فضلا عن أن يكون من المختصين بعلم التربية فكيف صار تأليفه في علم التربية مقدما على غيره وهو رجل عسكري قضى عمره كله في الحروب وليس له إلمام بالتربية لا علما ولا تعليما فتأليفه في علم التربية أمر شكلي أما التيمم بالتراب فمعناه التواضع لله تعالى والخضوع له وطلب العون منه والشفاء من المرض الذي حال بين المتيمم وبين الوضوء وهذا معنى الصلاة أيضا".

فانظر إلى ما فشا في الناس من نتن هذا الزمان زمان الجهل والفتن

حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن يقضى على المرء في أيام محنته

والنتن الدخان الذي يشربه الناس.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت