فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الإسلامي لأبنائه، ويبهر الآخرين فيدخلون في دين الله التزامًا، أم أننا سنظل نحاضر ونحاضر ونرى فينا ومنا شبابًا لا يستطيع أن يعف نفسه؟!
وفي المقابل ونقولها بصراحة ووضوح، نرى فينا ومنا أناسًا يركبون سيارات فارهة بصورة كبيرة لو كانت أقل موديلًا لزوج الفرق العديد من الشباب، نعيب على العلمانية التفاوت الطبقي ونرى في أنفسنا ومنا تفاوتًا طبقيًّا صارخًا؟!
أي نعم الأمر لا يخلو ولن يخلو من بعض أعمال الخير، ولكن شتان بين التصورين؛ إنفاق الصدقات المجزأة التي تستجدي وتدفع على استحياء، وتصور إيجاد نموذج إسلامي واقعي جعل من لا إله إلا الله منهج حياة، نموذج تدرب أبناؤه عمليًّا على البذل والعطاء، نموذج أوجد نفسه وسط العلمانية فانتزع انبهار المعارضين له رغم أنوفهم.
والسؤال الذي يجب أن يطرح بقوة، هل العلمانية أرحم بأبنائها؟! والإسلام عاجز عن إيجاد رحمة لأبنائه وبأبنائه؟!
الإجابة معروفة للجميع، إن الإشكال لا يوجد في الإسلام كعقيدة وكمنهج وكفكر، ولكن الإشكالية في مطبقية ومنفذيه؛ بل بعض الداعين إليه، الأمر يحتاج إلى فهم ووعي وتصور صحيح وحكمة.
العلمانية أنشأت مجتمعًا وأوجدت منظومة متكاملة، فعلى سبيل المثال أوجدت بنوكًا يسطتيع المحتاج أو صاحب المشروع الذي يملك ضمانات أن يقترض؛ بل ما يحزنك من نفسك وعلى نفسك أن تبتكر هذه المجتمعات العلمانية حلولًا وندعي نحن أصحاب الفهم والوعي الإسلامي عجزًا؟!
في ظل هذا المجتمع العلماني على سبيل المثال؛ إذا تأزمت الأوضاع المالية لفرد ما واستدان عمل عرسًا أو ختانًا ولو كاذبًا ودعى الناس إليه وأتى بالراقصين والراقصات، وفتح باب ما يُسمى بالنقطة"المساهمة بالنقود"، وفي نهاية عرسه يجمع العديد من الآلاف فيسدد دينه وتفك أزمته، وقد باعد هذا العمل بينه وبين السجن.
أنا لا أنبهر بالمعصية؛ فالمعصية معصية ولن ارتضي لحلول المعاصي، ولكن أتضايق حينما لا نحاول أن نجد حلولًا منهجية لمشاكلنا، ولا تفعيلًا لأفكارنا، ولا واقعًا لما نطرحه.
لماذا لا يحرص العديد من الملتزمين على حضور عرس الأخ الفقير؟ فلو اجتمع ألف فرد وساهم كل فرد بعشرين جنيه"هدية لاترد"لتمكن هذا الأخ الفقير من سداد دينه ليلة عرسه؛ فزاد هذا العمل من سعادته، ولكن للأسف الشديد يحرص الآلاف من الملتزمين لحضور عرس ابن أو بنت الأخ الداعية أو الأخ الغني!
والفقير فقير في كل أحواله، وحتى نكون منصفين تأتيه بعض المساعدات التي تزيد من عرق جبينه وتزيد من ضعفه النفسي الداخلي، وهي تأتيه تحت عنوان"تهادوا تحابوا".
فهل أدركنا الفرق بين الأمرين؟! هل آن لنا أن نضع التصور العملي لإنشاء نموذج إسلامي عملي يضاهي ما تفعله العلمانية على الأقل ولكن بأسلوب شرعي؟! أم أننا نتعامل بتجزئة الشرع وكأننا لا نملك منهجية لعمارة الدنيا وإصلاحها، وتكون المساعدات علي استحياء، وفي ظروف ضرورية ملحة فاضحة، فلا نساعد إلا من دخل غرفة الإنعاش أو احتاج غسيل كلوي، أو أصيب بسرطان؟! أي أننا نساعد من هم في نهاية المطاف والراحلين عنا، وكأننا نريد أن نكسب رضاهم وهم راحلين، ولم نسعَ لمعرفة وحل مشاكلهم وهم أحياء، كواجب علينا أو من خلال فهمنا لـ"لا إله إلا الله"كمنهج حياة.
ومن الأشياء الملفتة؛ نجد إعلانًا في بعض المساجد"يوجد كفن بالمجان"، ولا نقرأ"يوجد عندنا عمل للأحياء"، وهل الذي مات ولم نسمع عن حياته أو عن مأساته إلا من خلال طلب واستجداء ورثته لكفنه؟ ألا يدل ذلك على جرمنا نحن الأحياء في حق هذا الراحل عنا في حياته؟ ألا يعد هذا الطلب وثيقة إدانة لنا تشعرنا بالخجل وتأنيب الضمير؟
وهذا يدفعنا إلى سؤال آخر؛ ما مفهوم الدعوة عندنا؟ أليست الدروس والمحاضرات والمناظرات ما هي إلا وسائل لإنشاء مجتمع مسلم بحق يسعد أبناؤه في الدنيا والآخرة؟ فهل آن لنا أن نثبت لأنفسنا بداية ولغيرنا عظمة ديننا كمنهج حياة أم أننا سنظل ننتظر الخليفة المرتقب أو المهدي المنتظر؟!
وأختم مقالي بكلمات للأستاذ سيد قطب رحمه الله: لقد انتصر الرسول صلى الله عليه وسلم: (يوم أن صنع من أصحابه رضي الله عنهم صورًا حية من إيمانه، تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، يوم أن صاغ من كل منهم قرآنًا حيًّا يدب على الأرض، يوم أن جعل من كل فرد نموذجًا مجسمًا للإسلام يراه الناس فيرون الإسلام، إن النصوص وحدها لا تصنع شيئًا، وإن المبادئ وحدها لا تعيش إلا أن تكون سلوكًا، ومن ثَم جعل الرسول صلى الله عليه وسلم هدفه الأول أن يصنع رجالًا لا أن يلقي مواعظ، وأن يصوغ ضمائر لا أن يدبج خطبًا. وأن يبني أمة لا أن يقيم فلسفة، أما الفكرة ذاتها فقد تكفل بها القرآن، وكان عمل الرسول صلى الله عليه وسلم أن يُحَوِّل الفكرة المجردة إلى رجال تلمسهم الأيدي، وتراهم العيون لقد انتصر الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أن صاغ من الإسلام شخوصًا، وحول إيمانهم بالإسلام عملًا، وطبع من المصحف عشرات من النسخ ثم مئات وألوفًا؛ ولكن لم يطبعها بالمداد على صحائف الورق، وإنما طبعها بالنور على صحائف من القلوب، وأطلقها تعامل الناس وتأخذ منهم وتعطي وتقول بالفعل والعمل، ما هو الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم) [من كتاب دراسات إسلامية، سيد قطب، بتصرف] ، فهل أدركنا التصور الصحيح وسعينا لتنفيذه؟
حسنى عويدات للتواصلhossny8@yahoo.com