فهرس الكتاب

الصفحة 20958 من 28557

من هنا كان السر في إقبالنا على الشباب، وعنايتنا به ورعايتنا له حتى يمضى إلى غايته الكبرى وهدفه الأسمى مصونا من الانحراف الفكري والتدهور الخلقي والضعف العقلي. أما إذا تركناه هملا بلا رعاية، وسدى بلا ولاية فلسوف يتضعضع كيانه ويضمر بذله وعطاؤه، ويستشرى خطره وفساده فيصبح نقمة بعد أن كان نعمة، ومحنة بعد أن كان منحة، وبلاء بعد أن كان نفحة وعطاء.

إن شبابنا اليوم يواجه هجمة استعمارية فكرية شرسة تحاول زعزعة إيمانه وزحزحة أقدامه، وضعضعة كيانه، فلا بد من تسليحه بالسلاح الذي يصيب مقاتلها. إن أعداءنا لما عجزوا من غزونا عسكريا لجأوا إلى غزونا فكريا. وبتعبئة الأمة وتجنيد طاقاتها وإعداد شبابها سيؤول أمر الغزو الفكري مآل الغزو العسكري: هزيمة نكراء وفشلا ذريعا. إذا شيدوا للشباب المراقص شيدنا له المساجد، وإن أقاموا له الحفلات الغنائية أقمنا له الكتائب الليلية، ليكونوا رهبانا بالليل وفرسانا بالنهار، لينشدوا أراجيز الحرب والقوة بدل التغني بفنون اللذة .... ليحرصوا على الموت أكثر من حرصهم على الحياة وحبهم لها .. ليقتلوا أعداءهم بدل قتلهم أوقاتهم .. وهكذا نواجه مكر أعدائنا بمكر أدهى، وهجماتهم بدفاع أعتى حماية لشبابنا، وصونا لعقيدتهم وحقيقتهم ....

لماذا نعد الشباب؟

السؤال الذي يطرح نفسه أمامنا ما هي الأهداف التي من أجلها نهتم بتربية الشباب وإعداده؟ هل نُعدّ الشباب ليكون -صالحا في نفسه غير مصلح لغيره؟ هل نعدّ الشباب ليكون مهتما بأمره هو، لا بأمر غيرها؟ هل نُعِدّ الشباب ليتمثل فيه الدين ثقافة وعلما؟ هل نربي الشباب ليؤدى شعائر الإسلام من صلاة وصوم وحج وزكاة؟ هل نربي الشباب ليكف بصره، ويصون فرجه ويحفظ جوارحه ويرسل لحيته وكفى!؟

الواقع أن السؤال الواحد تفرعت عنه أسئلة، ولكنها نشأت عنه وارتبطت به كارتباط الفروع بالشجرة. ونجد المفكرين ورجال الإصلاح يجيبون على هذه الأسئلة إجابات كافية شافية، فهم يرون أن المرمَى من إعداد الشباب أن يكون هو في ذاته صالحا، لأن الفاسد لا يصلح غيره. ثم يقوم بمهمة التغيير والتحويل والتبديل ... نعدُّه ليكون ثورة الحق على الباطل، وحملة الإيمان على الإلحاد، وكتيبة الصدام في وجه الأعداء ... نعدُّه ليصون دينه وطنه من خطر المذاهب الهدامة والأفكار الملحدة المنحلة .. نعدُّه ليكافح بحزم لا هوادة فيه البدع والخرافات وأنواع الضلالات .. نعدُّه ليخرج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام، نعدُّه ليمسح بيده الحانية القوية آلام أمته وآلام الإنسانية، ويوفر للحياة جوا من الطهر والأمن والسعادة. نعدُّه ليمزق بسيف الحق جيوش الباطل، ويبدد بنور العلم ظلام الجهل .. نعدُّه ليقود أمته بقوة العزيمة وشدة الشكيمة إلى حيث يضعها في مكانها اللائق بها تحت الشمس .. نعدُّ في الشباب سواعده لتحمل راية الإسلام ودعوته، نعدُّ عقوله لتحمل فكر الإسلام وثقافته .. نعدُّ أرواحه لتحمل هدي الأسلم وصفاءه وشفافيته.

وإن الشباب لقادرون على كل ذلك -إن شاء الله تعالى- إذا وجدوا العناية الفائقة، والتوجيه السديد، والمتابعة الدقيقة التي تراقب خطوهم، وتزيل العقبات من دروبهم. ونحن نرى كيف أن المذاهب المختلفة تتلقف الشباب، وتحتضنهم بالجماعات، وتعدُّهم إعدادا، ليقوموا بمهمة الدعوة إليها والذود عنها، وهي في سبيل ذلك ترسم الخطط المحكمة، وتجند الطاقات الهائلة، وتنفق الأموال الطائلة، لتضمن بقاءها على أيد قوية، وعزائم ماضية فتية. وعلى الشباب أن يدركوا هذه الحقيقة، ويعوا تلك الغاية البعيدة المدى، وتكون همهم الملازم ينامون به، ويقومون به ويمشون به بين الناس، عاقدين عليه قلوبهم، حانين فوقه ضلوعهم:

قد رشحوك لأمر لو فطنتَ له

فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

الشباب عنوان الأمة:

إذا أردت أن تعرف ماهية الأمة وحقيقة أمرها، فلا تسأل عن ذهبها ونشبها وبترولها ورصيدها المالي، ولكن انظر إلى شبابها، فإن رأيته شبابا متدينا متمسكا بقيمه الأصيلة منشغلا بمعالي الأمور، قابضا بأذيال الكمال وأهداب الفضائل -فاعلم أنها أمة جليلة الشأن، رفيعةُ القدر والجاه، قوية البناء، مرفوعة العلم لا ينال منها عدو، ولا يطمع فيها قوى.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت