فهرس الكتاب

الصفحة 20965 من 28557

شُرَكَآءُ مُتَشَـ?كِسُونَ أي: يتنازعون في ذلك العبد المشترك بينهم، {وَرَجُلًا سَلَمًا} أي: سالمًا {لِرَجُلٍ} أي: خالصًا، لا يملكه أحد غيره {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا} أي: لا يستوي هذا وهذا، كذلك لا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله، والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له؟ فأين هذا من هذا، قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وغير واحد: هذه الآية ضربت مثلًا للمشرك والمخلص، ولما كان هذا المثل ظاهرًا بينًا جليًا، قال: {?لْحَمْدُ للَّهِ} أي: على إقامة الحجة عليهم، {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: فلهذا يشركون بالله.».

من تفسير:"في ظلال القرآن"- سيد قطب (ت 1387هـ)

«يضرب الله المثل للعبد الموحد والعبد المشرك بعبد يملكه شركاء يخاصم بعضهم بعضًا فيه، وهو بينهم موزع؛ ولكل منهم فيه توجيه، ولكل منهم عليه تكليف؛ وهو بينهم حائر لا يستقر على نهج ولا يستقيم على طريق؛ ولا يملك أن يرضي أهواءهم المتنازعة المتشاكسة المتعارضة التي تمزق اتجاهاته وقواه! وعبد يملكه سيد واحد، وهو يعلم ما يطلبه منه، ويكلفه به، فهو مستريح مستقر على منهج واحد صريح .. {هل يستويان مثلًا؟} .. إنهما لا يستويان. فالذي يخضع لسيد واحد ينعم براحة الاستقامة والمعرفة واليقين. وتجمع الطاقة ووحدة الاتجاه، ووضوح الطريق. والذي يخضع لسادة متشاكسين معذب مقلقل لا يستقر على حال ولا يرضي واحدًا منهم فضلًا على أن يرضي الجميع!» [1] ( http://majles.alukah.net/#_ftn1) .

ويسترسل سيد قطب رحمه الله في شرحه ... «وهذا المثل يصور حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك في جميع الأحوال؛ فالقلب المؤمن بحقيقة التوحيد هو القلب الذي يقطع الرحلة على هذه الأرض على هدى، لأن بصره أبدًا معلق بنجم واحد على الأفق فلا يلتوي به الطريق. ولأنه يعرف مصدرًا واحدًا للحياة والقوة والرزق، ومصدرًا واحدًا للنفع والضر، ومصدرًا واحدًا للمنح والمنع، فتستقيم خطاه إلى هذا المصدر الواحد، يستمد منه وحده، ويعلق يديه بحبل واحد يشد عروته. ويطمئن اتجاهه إلى هدف واحد لا يزوغ عنه بصره. ويخدم سيدًا واحدًا يعرف ماذا يرضيه فيفعله وماذا يغضبه فيتقيه .. وبذلك تتجمع طاقته وتتوحد، فينتج بكل طاقته وجهده وهو ثابت القدمين على الأرض متطلع إلى إله واحد في السماء .. ويعقب على هذا المثل الناطق الموحي، بالحمد لله الذي اختار لعباده الراحة والأمن والطمأنينة والاستقامة والاستقرار. وهم مع هذا ينحرفون، وأكثرهم لا يعلمون. وهذا مثل من الأمثلة التي يضربها القرآن للناس لعلهم يتذكرون. وهو قرآن عربي، مستقيم، واضح، لا لبس فيه ولا عوج ولا انحراف. يخاطب الفطرة بمنطقها القريب المفهوم.» . (1)

من تعليق الدكتور يوسف القرضاوي: [2] ( http://majles.alukah.net/#_ftn2)

« العبودية لله سبيل الحرية: ثم إن العبودية لله هي - في واقع الأمر - عين الحرية. وسبيل السيادة الحقيقية، فهي - وحدها - التي تعتق القلب من رق المخلوقين، وتحرره من الذل والخضوع لكل ما سوى الله من أنواع الآلهة والطواغيت التي تستعبد الناس وتسترقهم أشد ما يكون الاسترقاق والاستعباد، وإن ظهروا - صورة وشكلًا - بمظهر السادة الأحرار! ذلك أن في قلب الإنسان حاجة ذاتية إلى رب، إلى إله، إلى معبود، يتعلق به، ويسعى إليه، ويعمل على رضاه، فإذا لم يكن هذا المعبود هو الله الواحد الأحد، تخبط في عبادة آلهة شتى وأرباب أُخر، مما يرى وما لا يرى، وممن يعقل، وما لا يعقل، ومما هو موجود وما ليس بموجود، إلا في الوهم والخيال. وليس أشرف للإنسان العاقل من أن يعبد من خلقه فسواه فعدله، ويطرح عبادة كل ما سواه ومن سواه. وليس أجلب لسعادته وسلام ضميره من توجيه همه إلى إله واحد يخصه بالخضوع والحب، فلا تتوزع قلبه الآلهة والأرباب المزيفون: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (الزمر 29) . فالعبد السالم لسيد واحد قد استراح، إذ عرف ما يرضي سيده فأداه بارتياح وانشراح. أما العبد الذي يملكه شركاء متشاكسون يأمره أحدهم بعكس ما يأمره غيره، فما أتعسه وما أشقاه!!» . (2)

الهوامش:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت