وعليه فإن العبرة في تقويم الأشخاص كثرة المحاسن والفضائل، كما قال الحافظ الذهبي رحمه الله:"ونحب السنة وأهلها، ونحب العالم على ما فيه من الإتباع والصفات الحميدة، ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويل سائغ وإنما العبرة بكثرة المحاسن"15.
مع التنبيه -هنا- أن اعتبار غلبة المحاسن صحيح مع اعتبار سلامة المنهج، ووضوح التصور، وصفاء الاعتقاد، وصحة الأصول، بل نقول مستفهمين استفهاما تقريريا: وهل يتصور صحة ذلك إلا بذلك؟!.
وقد وضح هذا الإمام ابن القيم رحمه الله في معرض بيانه لزلة وقع فيها الشيخ الهروي رحمه الله صاحب كتاب المنازل حيث قال في حقه:"ولا توجب هذه الزلة من شيخ الإسلام إهدار محاسنه، وإساءة الظن به، فمحلُّه من العلم والإمامة والمعرفة والتقدم في طريق السلوك المحل الذي لا يجهل، وكل أحد فمأخوذ من قوله ومتروك إلا المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، والكامل من عد خطؤه، ولا سيما في مثل هذا المجال الضنك، والمعترك الصعب الذي زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام"16.
لكن عند الجهل والظلم فليس بمُسْتغرب أن يسمع المرءُ مالا يُسْتَعذب، أناس طعنوا على صاحب الأصول الصحيحة، والقواعد الفصيحة لزلة عرضت وإن كانت متحققة، أو مزلة متوهمة، ولم يشتغلوا بأن يَنْقِموا على عَلْمَانيٍّ قد فصل الدين وعرَّاه، ولا على مُسْتشرقٍ قد حرَّف مصادر الإسلام وأوهى عُراه، ولا على مُنافقٍ يكتب في كُلِّ صحيفةٍ وجريدة، ولا على مُشكِّكٍ يُصبِّحنا ويُمسِّينا بِشُبهٍ جديدة، ولا على مبتدع يَنْشُر بيْننا الكبائِر، ولا على عدوٍّ ٍ يتربَّص بنا الدَّوائِر. إذًا … فعلى من ينقمون؟!، وليس القصد عدم رد خطأ الموافق بالضوابط الصحاح إذا ظهر ولاح، فإن مجال الكلام وضاح.
إذن فالمرء يمدح بكثرة ما له من الفضائل والمحاسن، ومن الاعتساف والخروج عن الفطرة السوية والإنصاف: أن ندفن كثرة خير المرء لقلة زلله وعيبه، فإنه مما هو"معلوم عند الناس مستقر في فطرهم أن من له ألوف من الحسنات فإنه يسامح بالسيئة والسيئتين ونحوها"17.
قال عبد الله بن المبارك رحمه الله:"إذا غلبت محاسن الرجل على مساوئه لم تذكر المساوئ، وإذا غلبت المساوئ على المحاسن لم تذكر المحاسن"18.
وفي الختام هذه مقالتي بين أيديكم أدْعو بها كُلَّ عاقلٍ رشيد، وأُذكِّر بها من كان له قلْبٌ أو ألقى السَّمع وهو شهيد، أن يتَّبع الحقَّ الواضح والقول السَّديد.
نعم. . . قد يتطاول المُسْلم على أخيه، وينْهش من عرْضه دون تلافيه، والقلْب فيه ما فيه، ولكنَّ العاقل يرجع إلى الحق بأدنى تنبيه، فالحق"أحق أن يتبع"19، فالزم ذلك أيها النبيه.
1.أخرجه الترمذي رحمه الله وغيره وهو في صحيح سنن ابن ماجة 2/ 418.
2.الفتاوي لابن تيمية رحمه الله 11/ 66_ 67.
3.مدارج السالكين 2/ 522.
4.قالها الإمام مالك رحمه الله انظر الآداب الشرعية لابن مفلح رحمه الله 2/ 142.
5.نفسه.
6.الكفاية 79.
7.سير أعلام النبلاء عند ترجمة محمد بن نصر المروزي رحمه الله.
8.قالها الحافظ ابن رجب رحمه الله، وعلق عليها الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله بقوله:"الإنسان لا يخلو من الخطأ، لكن المنصف يرى الصواب ويرى الخطأ، فإذا صار الصواب أكثر، فليغتفر الخطأ، وإن كان الخطأ أكثر، اضمحل به الصواب"انظر تقرير القواعد وتحرير الفوائد لابن رجب رحمه الله، ضبط وتعليق الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان حفظه المولى 1/ 4.
9.تضمين مما قاله عماد الدين أبو العباس الواسطي رحمه الله في العقود الدرية 291.
10.مفتاح دار السعادة 1/ 529.
11.كتاب حقيقة القولين لأبي حامد الغزالي رحمه الله 25.
12.الفتح 2/ 199.
13.إرشاد الفحول 98.
14.من أقوال أبي الحسن الماوردي رحمه الله كما في درر السلوك 65.
15.السير 20/ 46.
16.المدارج 1/ 219.
17.مفتاح دار السعادة 1/ 531.
18.السير 8/ 378.
19.تضمين مما قاله عبد الله بن عباس رضي الله عنهما انظر إرواء الغليل 7/ 318.