فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
(( ... وقبل أن أختم هذا المقال، أود التعقيب في هذه العجالة بكلمات يسيرات على عبارة للكاتب الأخ مشبب أحمد سعد آل مشهور مقتبسة من مقاله المعنون"الدولة المدنية تحقق مقاصد الشرع وتلبي تطلعات المجتمع"والمنشور يوم الأربعاء 26 ربيع الآخر 1427هـ الموافق 24 مايو 2006م، العدد(2063) . أقول لقد وقعت أخي الكريم في تخليط واضح عندما زل قلمك بهذه العبارة (فالسلطة في الإسلام ليست دينية وإنما هي من اختيار البشر، والحاكم شرعيته مستمدة من إرادة الناس وأحكامه ومواقفه غير مقدسة بل قابلة للنقض إذا خالفت الشرع فالدولة الدينية ظاهرة"مسيحية"لا وجود لها في مفاهيم الإسلام القطعية حول الدولة (. وتعليقي عليها يتناول التالي:
1 -من حيث المبدأ يفترض أن تكون السلطة في الإسلام دينية أصلًا، لا بالمعنى الكنسي الكهنوتي المركزي الغربي، ولكن بمعنى أن يكون مرجعها في الحكم والتصرف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ونورد هنا كلام أبي بكر الذي استشهدت به في مقالك عندما قال رضي الله عنه (أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم) فأبو بكر رضي الله عنه جعل المعيار الأول هو طاعة الله من عدمها وهذا هو الدين بعينه، ولكنك علقت بعد ذلك فقلت (وهذا يعني أن اختيار الحاكم يأتي عن طريق إجماع الناس على اختياره والموافقة عليه (وأنا أقول: وهذا يعني أن السلطة في الإسلام سلطة دينية لا قوام لها إلا بالدين، فمتى أطاع الحاكم الله فينا أطعناه ومتى عصا الله فلا طاعة له علينا، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فالحكام والمحكومون يصدرون عن أمر الله وسنة رسوله. أليست السلطة بهذا الاعتبار سلطة دينية؟ 2 - قولك أن السلطة في الإسلام(إنما هي من اختيار البشر) فيه تسمّح كبير لأن السلطة في الإسلام هي في المقام الأول (اختيار الله ورسوله) ، كيف؟ الجواب: الناس في الإسلام لا يختارون السلطة إلا وفق مراد الله ورسوله اعتبارًا بالكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين - وقد رأيتك استشهدت ببعض أقوالهم - وليتك قيدت إطلاقك بهذا القيد، إذ الناس في الإسلام ليسوا أحرارًا إلى درجة أنهم يختارون السلطة التي يريدون حتى ولو كانت على غير مراد الشارع. وبهذا الفرق الجوهري يختلف الإسلام عن الديمقراطية التي تجعل اختيار الشعب مقدمًا على اختيار الله ورسوله ولذلك قال الله تعالى (ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) ، و قال تعالى (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) ولفظة (من شيء) في الآية صيغة تفيد العموم فلا يخرج شيء من متناول هذه الآية إذ المرجع الأول في التحاكم هو الله بواسطة كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. ما دام المرجع الذي نتحاكم إليه في كل أمورنا، بما فيها السلطة، هو دين الله أليست هذه سلطة دينية؟ الجواب: نعم بلا أدنى شك ولكن الفرق الوحيد - ولكنه كبير - هو أن ديننا دين عظيم شامل صالح لكل زمان ومكان و إنسان، وغيره من الأديان لم يبلغ مبلغ الإسلام فلذلك لجأ أهل تلك الأديان المحرفة الناقصة أو الوثنية البائدة إلى ترقيع وتكميل أديانهم بشيء من اجتهادات الفكر البشري المبرأ من العصمة! 3 - قولك أخي الكريم (والحاكم شرعيته مستمدة من إرادة الناس وأحكامه ومواقفه غير مقدسة بل قابلة للنقض إذا خالفت الشرع) فيه تجاسر كبير ولكني احسبه سبق قلم. أخي الكريم إن شرعية الحاكم في الإسلام مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أولًا وقبل كل شيء. بعبارة أخرى: لو أن جمهور الناس كانت إرادتهم مخالفة للشرع أو أصل من أصول الشرع فهل يوافقهم الحاكم ويستمد شرعيته من اختيارهم؟ لا أظنك توافق على ذلك. أما كون مواقف الحاكم غير مقدسة فهذا صحيح لأن المقدس الأول هو شرع الله المتمثل في كتاب الله وسنة رسوله وأما الإنسان فمجتهد غير معصوم، ولكن ينبغي أن نحذر من جعل عبارتك وسيلة إلى تنحية أحكام الحاكم الموافقة للشرع بحجة أن مواقفه غير مقدسة. إن أحكام الحاكم مقدسة إذا وافقت شرع الله وغير مقدسة إذا خالفت شرع الله. وكذلك إرادة الناس المحكومين هي أيضًا مرفوضة إذا خالفت الشرع وهي ليست بمنأى عن شرع الله بل يجب عليهم ضبط اختيارهم وحريتهم بمراد الشارع الحكيم في اختيار الحاكم لا مجرد مراعاة والأهواء الشخصية والاستجابة للرغبات الذاتية المتنوعة التي لا تكاد تتفق إلا في القليل النادر. 4 - قولك (فالدولة الدينية ظاهرة"مسيحية"لا وجود لها في مفاهيم الإسلام القطعية حول الدولة) . أما الدولة الدينية كظاهرة"مسيحية"فلا وجود لها في الإسلام وأما الدولة الدينية من حيث كونها تستمد شرعيتها من دين الإسلام وكظاهرة"إسلامية"فيجب أن يكن لها وجود، إذ هذا ما دلّ عليه القرآن والسنة وأقوال الصحابة و أفعالهم وما أفرده الفقهاء والعلماء لذلك من أبواب كاملة في كتبهم، إذًا الدولة الدينية بهذا الاعتبار وجودها ضروري، وإلا أصبحت لا دينية! )) .
(يُتْبَعُ)