فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وليس أمام المتشدقين بالعصر القبطي إلا أحد احتمالين:
الأول: إن سكان مصر في ذلك الوقت مع اختلاف تركيبتهم العرقية، والدينية كانوا يرون أن حكم المسلمين أفضل لهم، وهو القول الذي ما زال يردده النصارى المرتبطون مصلحيًا بالمسلمين، ومنهم: معظم نصارى الداخل، وهو الموقف الرسمي للكنيسة المصرية كما ورد في كتاب:"تاريخ الأمة القبطية"، وهو من إعداد الكنيسة المصرية.
الثاني: أنهم كانوا من سقط المتاع يتقاتل عليهم: اليونان والروم، ثم: الفرس والروم، ثم: المسلمين والروم، وهم ينتظرون لمن تكون الغلبة؛ لكي يؤدوا إليه الجزية والبيعة في آن واحد حيث كانت الجزية مفروضة على كل سكان مصر غير الرومانيين قبل الفتح الإسلامي لمصر، وهو أمر يجعلهم أشبه بعمال التراحيل الذين لا يشغلهم سوى مقدار الضرائب التي ستفرض عليهم، وربما شغلتهم حريتهم الدينية بعض الشيء!
وأظن أن كلًا من الاحتمالين كافٍ لنفي فِرْية العصر القبطي الذي اكتشفوا وجوده فجأة وهم في أمريكا!
وأما العرق القبطي الأصيل التي يتغنى به هؤلاء: زاعمين أن العرب دخلاء؛ فأمر لا يثبت أمام النظر التاريخي المنصف، وإذا ما قارنا بين تعداد سكان مصر، وتعداد سكان الجزيرة العربية قاطبة الآن، وعلمنا أن النسبة زمن الفتح الإسلامي كانت أضعاف أضعاف ما هو عليه الآن؛ لندرة المياه في الجزيرة العربية، وعدم توفر وسائل التنقيب عنها علمنا أنه لا يمكن أبدًا أن يُعزى التفوق العددي الساحق للمسلمين على غيرهم إلى أن العرب قد كاثروا أصحاب البلد حتى صاروا أكثر منهم!
ولو افترض مفترض أن كل المسلمين العرب قد تركوا الجزيرة العربية، وتركوا بلاد العراق، وفارس، وغيرها، وجاءوا؛ ليكاثروا المصريين ما قدورا على ذلك! فلا يوجد إلا احتمال واحد وهو: أن معظم أهل مصر قد أسلموا، ثم تعلموا اللسان العربي فصاروا عربًا؛ هذا بالإضافة إلى توطن بعض القبائل المسلمة العربية في مصر، وامتزاجها مع سائر طوائفه العرقية.
وبهذا الطرح نستغني عن البحث عن الحالة العرقية والدينية التي كانت عليها تلك الأغلبية التي دخلت في دين الله طوعًا واختيارًا؛ بيد أنه لا مانع من التنزل مرة ثانية، وثالثة؛ لمناقشة الحالة العرقية والدينية لمصر قبل الفتح الإسلامي.
وتشير الدراسات الأمريكية الحديثة حول الأصول العرقية للشعوب وفقًا لتحليل الحامض النووي: إلى أن الفراعنة جزء من جنس سكن ما يسمى الآن: ببلاد مصر، والصومال، والحبشة، وليبيا -"ومن الجدير بالذكر أن هذه البلاد جمعتها وحدة سياسية في بعض العصور القديمة"-، وهو أمر أشار إليه كثير من الباحثين قبل بحوث الحامض النووي، ومن الشواهد على ذلك الاعتقاد السائد بأن الفراعنة كانوا ذوي بشرة سوداء، أو شديدة السمرة على الأقل.
ومن ثمَّ فإن أقرب الأجناس الموجودة في مصر إلى أن يكونوا من نسل الفراعنة هم:"سكان النوبة"، أو"سكان سيوه"، وهم مسلمون عن بكرة أبيهم -والحمد لله رب العالمين-، وغالب الظن إن لم يكن يقينًا أن قبائل النوبة قد تحولوا من الوثنية إلى الإسلام رأسًا دون أن يمروا بالمرحلة النصرانية، بل كان هذا هو حال كثير من غيرهم كما يأتي بيانه -إن شاء الله-.
وأما من سوى سكان النوبة: فقد حصل امتزاج شديد بينهم وبين اليونانيين بعد استيلاء"الإسكندر الأكبر"على مصر، واصطباغ البلاد بصبغة يونانية وواضحة في عهده؛ مما أثر على التركيبة العرقية للمصريين.
واليونانيون هم من سمَّى المصريين ببلاد القبط: الذي اشتقوه من اسم معبد الإله الوثني"تاح"، ويُسمى بيته أو معبده"هاي كا بتاح"، وهو ما نطقه اليونانيون Egeaptus.
ولم يكن الاختلاط مع اليونانيين هو الاختلاط الوحيد، بل حدثت امتزاجات أخرى نتج عنها عدم وجود عرق محدد ينتمي إليه معظم وادي النيل.
وبالإضافة إلى النوبيين والقبط كما سماهم بذلك اليونانيون، كان يوجد الأعراب الذين سكنوا الصحارى المشابهة في مناخها للجزيرة العربية، وهؤلاء كانوا في مصر من قبل الفتح الإسلامي بكثير، وجاءوا إليها عن طريق الهجرة من اليمن إلى الحبشة إلى مصر.
(يُتْبَعُ)