فهرس الكتاب

الصفحة 21173 من 28557

ونستفيد من هذه الجامعات بجلب أساتذتنا، ومفكرينا، ودكاترتنا، برواتب عالية، وننشر فيها ثقافتنا، ونبرز من أبناءكم من يحقق أهدافنا، ونعزل الآخرين الذين يريدون الاستفادة من هذه الصروح العلميّة لصالح أمّتكم!!

وبعبارة أخرى نجعلها أنموذجا لثقافتنا على أرضكم، وعلى حسابكم، من غير أن ننفق فيها درهمًا واحدًا.

وبذلك نسخِّر أموالكم، ومقدراتكم، وأبناءكم، ليخدموا أنموذجنا الثقافي، وليحقّقوا اختراقنا لهويتكم، وليستعملوا العلوم الحديثة لإثبات تفوّقنا الحضاري عليكم.

ولكن نقول لكم: هذا يدل على أنكم وصلتم إلى الرقيّ، والتقدّم، لأنّ هذا الاختراق حدث على أرضكم، وبأموالكم.

وأنتم كالمهابيل تصفقون لإنجازنا هذا العظيم، على أنّه إنجازكم!!

وذلك أننَّا ما دام قراركم السياسي مرهون عندنا، واقتصادكم ملحق بنا، وثرواتكم مسخَّرة لأهدافنا، واتفاقيتنا العسكرية معكم هي أغلال بأيدينا، فكلُّ إنجازاتكم الكبرى، نحن نتحكَّم فيها، وفي حجرنا تسقط ثمارها، وإلينا تصير عواقبها.

فأنتم لستم كالصين التي ترجع فوائد هذه الصروح العلميّة إليها، ولا مثل روسيا التي نحن معها في عناء، وتنافسنا على العالم، ولا حتى كفنزويلا التي كلَّما زادت في التطور العلمي استفاد شعبها قبل غيره، فزاد تمرّدها علينا.

رابعا: يُضيَّق على كلِّ المنابر التي تحاول التشويش على أهداف الاستعمار الجديد بخطواته السرية الآنفة الذكر، وتُعزل، وتُلاحق.

وتُبرز صورتها على أنها ضدّ تقدّم الأمة، وأنهم أعداء التكنلوجيا، وأنهم لايدافعون عن الهويّة، والفضيلة، واستقلال إرادة الأمّة السياسيّة، والاقتصاديّة، وليس هدفهم أنَّ كلَّ ما على أرض الأمّة من إنجازات، يجب أن يُسخَّر لها لا لغيرها.

بل هم أناس متخلّفون، رجعيّون، لا يعرفون شيئا عن تقدُّم العصر الحديث!!

انتهى تعريف الاستعمار الجديد….

وبعد:

فقد أضحى الخليج العربي مكبّا لنفايات الغرب الفكرية ورذائله الأخلاقية، ومرتعا لعهره السياسي، ومسرحا لصراعاته التوسعيّة، وتحول إلى مستودعات تخزين السلاح الخطر، ومدافن للوقود النووي، حتى استشرت فيه السرطانات البدنية، والسرطانات العقدية، والسرطانات الأخلاقية.

وكلُّ ذلك محاربةً لعقيدته الإسلامية، وطمسًا لهويته الدينية، وتدميرًا لثقافة الفضيلة والطُّهر فيه، وتخريبًا لانتماءه الحضاري الإسلامي، بل حتَّى اللغة العربية أُلغيت من مدارس بعض دول الخليج فضلا عن التعليم الإسلامي، وسلَّمت دولةٌ أخرى مناهجها التعليمية لتشرف عليها شركات أمريكية!!

في مشروع خطير يهدف إلى تحويل الخليج إلى مثل الفلبين، وتايلند، وغيرها من البلاد التي عاثوا فيها فسادًا، وملئوها عُهرًا، وخبالا.

فالقضية أيها الأخوَّة ليست مشكلة اختلاط فحسب، ولا يصح أن تُختصر إلى هذا العنوان فقط، مع ما في الاختلاط في التعليم في مراحل الشباب من خطورةٍ على الفضيلة، غير أنها على خطورتها إنما هي فرع على: الخضوع للاستعمار الجديد، والاستسلام للاختراق الثقافي، وسلب الإرادة السياسية، واستلاب الاستقلال الاقتصادي، وأخطر من ذلك كلِّه، إلباس هذا الخضوع لباس الشريعة، وتغطيته بخطاب الدين، وتسكينه في ضمير الأمّة بلسان الفتوى الشرعية!!

فهذا الذي تراكم وتكرَّس عبر عقود في صمت مطبق عن خطورته، ومناقضته لأصول الإسلام، وأهداف الأمّة، هو الذي أثمر هذا الشلل التام أمام إفشال مشاريع التغريب المتكاثرة، والمتلاحقة، التي تتسارع في هدمها للإسلام في مهده، والتي تهدف إلى التخريب الأخلاقي، والإفساد الثقافي، ونشر الفساد في الأرض، والصدّ عن سبيل الله، حتى أصبح مُنْكرُها، بل مُنكرُ بعض آثارها، أو وسائلها ـ مثل الإختلاط ـ مجرمًا، مطرودًا، مسخوطا عليه، وأين ذلك؟! … في وسط يعُجُّ بالجامعات الشرعية الشمَّاء، وبالكتب والمؤلفات الإسلامية الغرَّاء، ويضجُّ بالخطب العصماء، ويثجُّ بفتاوى العلماء، فلا يجد المنكر منهم وليَّا، ولا نصيرًا!!

ولسان حاله يقول:

ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ** والمنكرون لكلّ أمرٍ منكرِ

وبقيت في خلف يزيّن بعضهم ** بعضا ليستر مُعورٌ عن مُعورِ

سلكوا بنيات الطريق فأصبحوا ** متنكبين عن الطريق الأكبرِ

ولا خلاص اليوم من هذا السيل الهادر من التخريب المحمي رسميا في دول الخليج إلاَّ بتكاتف الجهود المخلصة، وتضامن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر في مؤسسات كبيرة، تستمد قوتها من بيئتنا الإسلامية، وشعوبنا المحبة للخير والفضيلة، لتكثيف مؤسسات الدفاع عن حياض الدين، ولتكثير حصون الصد عن عقيدة المسلمين.

ومعلوم أنَّ تحقيق هذا الهدف لايحصل إلاَّ بالتضحيات، ولا يتحقق إلاَّ ببذل الغاليات، وقد قال تعالى: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور} [سورة لقمان: 17] .

ولهذا نقول للدعاة، والمصلحين، والأمرين بالمعروف، والناهين عن النكر، سيروا على بركة الله، وجاهدوا أذناب المستعمر بكلمة الله، واصبروا، وصابروا، ورابطوا، واتقوا الله فإنَّ العاقبة للمتقين.

واستنفروا للدين:

تحفزَّ الليثُ ليثُ الدّين منْتصرًا **فالغرب يبكي،وبالصلبان أحزانُ

ضراغمٌ هزّت الدّنيا بوثْبتها ** لهم من الوحي تأييدٌ،وسلطانُ

أما كلابُ المستعمر، النابحون إثر نباحه، المتوَّلدون من سفاحه، فئران الإمبرالية، المدَّعون الليبرالية، وهم شرُّ البرية، فسيولُّون كما ولَّى من قبلهم، ومن سيأتي من بعدهم من موكب وليّهم إبليس، وسيرتدّ كيدهم عليهم، ويرجع مكرهم إليهم.

وإلى حثالة مزبلة التاريخ.

والله حسبنا عليه توكلنا، فنعم المولى ونعم النصير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت