فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ولا يُعترض على هذا بأن العرف جرى على إحداث فتحة في الخمار تبرز الوجه؛ فإنما فعل ذلك بناء على مذهب من يرى جواز كشف الوجه، أو فعل تيسيرًا للبسه على أن يُغطى بالنقاب، وهذه الصورة لا يرتضيها بعض القائلين بوجوب ستر الوجه، ويرون لزوم إدناء الجلباب كما أمر الله، وبالتالي يحرِّمون النقاب بهذا الاصطلاح، وقد عمد بعض المغرضين إلى كلام هؤلاء العلماء فرَوَّجه على أنه تحريم لستر الوجه، والواقع أن هؤلاء العلماء يرون وجوب ستر الوجه بالجلباب تحديدًا؛ فهم من أشد القائلين بجوب ستر الوجه.
ومن ثمَّ فقد فر"القرآنيون"في هذه المسالة إلى السنة مستدلين بحديث أسماء، وحديث الفضل بن عباس -رضي الله عنهم-، وبعيدًا عن الخلاف الفقهي في المسألة: كم نتمنى أن يثبت هؤلاء عند تعظيم السنة، والاحتكام إليها!.
ولكن أحد رؤوس"حرب النقاب"والذي جعل من أهم أولوياته تحويل النقاب من"عبادة"إلى"عادة"، والذي يطبع الكتب بمئات الآلاف في ذلك ما زال لا يدري حجج الفريقين؛ فخرج بتصريح يقول فيه:"بيننا وبينهم كتاب الله"!! ولكنه لم ينتبه إلى أن الاحتكام إلى القرآن هنا دون السنة يجعل ستر الوجه واجبًا قولًا واحدًا.
والجدير بالذكر: أن المتمسكين بالوجوب من أهل العلم رأوا أن الأدلة التي استدل بها القائلون بالاستحباب لا تنتهض لتخصيص القرآن؛ لأن صحيحها غير صريح: كـ"حديث الفضل"، وصريحها غير صحيح: كـ"حديث أسماء"، وأما من صحح حديث أسماء فقطع بالاستحباب، منهم -من المعاصرين-:"الشيخ الألباني"-رحمه الله-.
"العادة"و"العبادة":
وهذه حرب أخرى من الحروب الحاضرة في حرب النقاب ... فإن الحرب دائرة؛ لنزع صفة العبادة عن الحجاب، وإدخاله في باب العادات!!.
لماذا ... ؟؟!!
لقد حاول الخصوم إخراج النقاب من عِداد الواجبات إلى عِداد المستحبات -وهو قول يقول به بعض أهل العلم-؛ أملًا في أن يدفع ذلك المنتقبات -لا سيما إذا تزامن ذلك مع التضييق عليهن في معظم الدوائر- إلى التراجع عنه، ولكنه ازداد انتشارًا -بحمد الله-، فما كان منهم إلا أن ادّعوا: أنه"عادة لا عبادة"؛ لأن زحزحة العادات باستخدام سلاح التضييق أكثر سهولة من زحزحة العبادات، بل ربما زحزحت العادات بعادات أخرى تناسب العصر.
والواقع أن العلمانيين الذين يسمون أنفسهم زورًا بـ"التنويريين"، ومن يستجيب لإرهابهم من المنتسبين إلى العلم: يعانون ضعفًا شديدًا في التنظير، وفقرًا شديدًا في الكفاءات؛ فيكتفون باستنساخ المعارك الفكرية القديمة التي خاضها أسلافهم، وهم دائمًا ما يحرصون على استنساخ التجربة بكل تفاصيلها.
وقد جاء المتغربون الأوائل، والحجاب فعلًا -فضلًا عن النقاب- مجرد عادة شرقية انفصلت عن مصدرها الإلهي في حس معظم من يرتدينه؛ اللهم إلا فئة قليلة جدًا ممن رحم الله، ومن ثمَّ سهل عليهم انتزاعه، كما أشار إلى ذلك الأستاذ"محمد قطب"-حفظه الله، وعفا عنه-.
ثم خرجت الصحوة الإسلامية المباركة ... وعاد معها الحجاب؛"حجاب العبادة"لا"حجاب العادة"، ومن ثمَّ صمد هذا الحجاب أمام كل الهجمات -بفضل الله تعالى-، مما اضطر الأعداء إلى استخدام هذا"الخطاب الفرعوني"الممتد عبر الأزمان: (إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ. وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ) (الشعراء:53 - 54) ، وظل الأعداء يرددون: أن الالتزام بالدين -والنقاب من أشد مظاهره- أنه شعار لطائفة محدودة من المتطرفين! أظنهم لولا الحرج لقالوا:"يعدون على أصابع اليد الواحدة"!!
ولكن حدث تطور قلب حسابات العلمانيين، والإسلاميين على حد سواء ... حيث اتسع مستوى قبول سماع الخطاب الدعوي الإسلامي بدرجة كبيرة تزامن معها التزام ببعض الأمور التي كانت حتى وقت قريب حكرًا على الإسلاميين، منها:"النقاب"، ووجدت شرائح من المجتمع تلتزم ببعض ما يلتزم به الإسلاميون، ولا تلتزم بالبعض الآخر؛ لعدم الاقتناع، أو لعدم وجود العزيمة الكافية.
(يُتْبَعُ)