فهرس الكتاب

الصفحة 21879 من 28557

المختارة (1/ 333) - كما في (( الصحيحة ) ) (18) - من طريق زيد بن أخزم، ثنا يزيد بن هارون، ثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر بن سعد عن أبيه أن أعرابيًّا قال لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أين أبي؟ قال: (( في النار ) ). قال: فأين أبوك؟ قال: (( حيثما مررت بقبر كافرٍ فبشره بالنار ) ). قال السيوطي: (وهذا إسنادٌ على شرط الشيخين) ، وليس كما قال لما يأتي

وذكر ابنُ كثير هذا الحديث في (( البداية والنهاية ) ) (2/ 280) ، وقال: (غريبٌ) . وقد خولف زيد بن أخزم في إسناده. فخالفه محمد بن إسماعيل بن البختري الواسطيُّ، فرواه عن يزيد بن هارون عن إبراهيم بن سعد، عن سالم، عن أبيه. فذكره.

أخرجه ابن ماجه 1573. قال البوصيري في (( الزوائد ) ) (1/ 515) : (هذا إسنادٌ صحيحٌ رجالُهُ ثقات. ومحمد بن إسماعيل وثقه ابنُ حبان والدارقطني والذهبيُّ، وباقي رجال الإسناد على شرط الشيخين

قُلْتُ: ولا شك في تقديم رواية زيد بن أخزم لأمرين

الأول: أنه أثبت من محمد بن إسماعيل بن البختري

الثاني: أنه توبع عليه كما في رواية البزار، والذي تابعه هو محمد بن عثمان بن مخلد، وقد سُئل عنه أبو حاتم - كما في (( الجرح والتعديل ) ) (4/ 1/25) - فقال: (شيخ) ، وقال ابنُ أبي حاتم: (صدوق) ، ووثقه ابنُ حبان (9/ 120) ، وقد ذكر البزار أن يزيد بن هارون تفرّد به، وليس كما قال، فقد تابعه محمد بن أبي نعيم الواسطي قال: ثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه أخرجه الطبراني في (( الكبير ) ) (326) قال: حدثنا عليُّ بن عبد العزيز، نا محمد بن أبي نعيم. وهذه متابعةٌ جيدة، وابن أبي نعيم وثقه أبو حاتم وابن حبان، وكذا صدَّقه أحمد بن سنان القطان. وكذبه ابنُ معينٍ وأبعد في ذلك. وقد أعلَّ أبو حاتم هذا الحديث بقوله: (كذا رواه يزيد وابن أبي نعيم، ولا أعلمُ أحدًا يجاوز به الزهري غيرهما، إنما يرونه عن الزهري، قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ... والمرسل أشبه) . ذكره ولده في (( العلل ) ) (ج2/ رقم 2263)

قُلْتُ: وقولُ أبي حاتم متعقَّبٌ أيضًا بأنه قد رواه اثنان آخران متصلًا وهما: الوليد بن عطاء بن الأغر، عن إبراهيم بن سعد به. ذكره الدارقطنيُّ في (( العلل ) ) (4/ 334) . والوليد صدوق

والثاني: الفضل بن دكين عن إبراهيم بن سعد. أخرجه البيهقيُّ في (( الدلائل ) ) (1/ 191) ، وسنده صحيحٌ. وقد رجح الضياء المقدسي الرواية المتصلة. بينما رجح أبو حاتم الرواية المرسلة، وقول أبي حاتم هو الصواب، وهذه الرواية المرسلة أخرجها عبد الرزاق في (( المصنف ) ) (ج10/ رقم 19687) عن معمر بن راشد، عن الزهري قال: جاء أعرابي ... وساق الحديث. فهكذا اختلف إبراهيمُ بن سعد ومعمر بن راشد، ولا شك عندنا في تقديم رواية معمر المرسلة؛ لأن معمرًا ثبتًا في الزهري، وأما إبراهيم بن سعد فقال قال صالح بن محمد الحافظ: (سماعه من الزهري ليس بذاك؛ لأنه كان صغيرًا حين سمع من الزهري) . وقال ابن معين وسئل: إبراهيم بن سعد أحب إليك في الزهري أو ليث بن سعد؟ قال: كلاهما ثقتان. فإذا تدبرت قول يعقوب بن شيبة في الليث: (ثقة وهو دونهم في الزهري - يعني: دون مالك ومعمر وابن عيينة - وفي حديثه عن الزهري بعض الاضطراب) . عملت أن قول ابن معين لا يفيد أنه ثبت في الزهري مثل معمر

فالذي يتحرر من هذا البحث أن الرواية المرسلة هي المحفوظة، وهي التي رجحها أبو حاتم الرازي والدارقطني، فلا معنى للقول أنه على شرط الشيخين بعد ثبوت هذه المخالفة

وبعد؛ فهذا مثالٌ واحدٌ بيِّن لك كيف عالج السيوطي المسألة، وما تركتُه أعجب وأعجب، وهكذا عارض السيوطي هذه الأحاديث الصحيحة بأحاديث منكرة وباطلة، ومن التجني أن يوصف من يتمسك بالأحاديث الصحيحة بسوء الأدب، وواللَّه لو صحت الأحاديث في إسلام والدي النبي صلى الله عليه وسلم لكنا أسعد الناس بها، كيف وهم أقربُ الناس لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الذي هو أحبُّ إليَّ من نفسي، واللَّه على ما أقول وكيلٌ

ولكننا لا نتبنى قولًا ليس عليه دليلٌ صحيح، لكن كثيرًا من الناس من يتخطى المحبة الشرعية، ويخالف الحجة ويحاربها. واللَّه المستعان لا ربَّ سواه. وهو أعلى وأعلم

وقد قال البيهقي في (( الدلائل ) ) (1/ 192، 193) بعد تخريجه لهذا الحديث: (وكيف لا يكون أبواه وجدُّه بهذه الصفة في الآخرة، وكانوا يعبدون الوثن حتى ماتوا، ولم يدينوا دين عيسى ابن مريم عليه السلام، وأمرُهم لا يقدح في نسب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ لأن أنكحة الكفار صحيحة، ألا تراهم يسلمون مع زوجاتهم، فلا يلزمهم تجديد العقد، ولا مفارقتهن؛ إذ كان مثلُه يجوز في الإسلام. وباللَّه التوفيق) . انتهى

وقال النووي في (( شرح مسلم ) ): (3/ 79) : (فيه أن من مات على الكفر فهو في النار ولا تنفعه قرابة المقربين، وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العربُ من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم) . انتهى

أما حديث أبي هريرة رضي اللَّه عنه وهو في (( صحيح مسلم ) )أيضًا، وفيه أن اللَّه نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الاستغفار لأمه، فلم يتعرض له السيوطي إلا بجوابٍ مجملٍ، وهذا الحديث صريح في عدم إيمانها؛ لأن اللَّه عز وجل قال: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} ، وقد نزلت هذه الآية في أبي طالبٍ، فعقب الحافظ ابنُ كثيرٍ في (( السيرة النبوية ) ) (2/ 132 - البداية) قائلًا: (ولولا ما نهانا اللَّه عز وجل عنه من الاستغفار للمشركين لاستغفرنا لأبي طالب وترحمنا عليه) . اهـ

فقد تبين من هذا الجواب - على اختصاره - أن الحديثين صحيحان لا مطعن فيهما، والحمد للَّه رب العالمين

جزاك الله خيرا على هذه الفائدة القيمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت