فهرس الكتاب

الصفحة 22070 من 28557

فعلى الطالب أن يتحرى الآخذ عمن اشتهرت ديانته وكملت أهليته وتحققت شفقته وظهرت مروءته وعرفت عفته وكان أحسن تعليما وأجود تفهيما ولا يرغب الطالب في زيادة العلم مع نقص في ورع أو دين أو عدم خلق حسن وليحذر من التقيد بالمشهورين وترك الآخذ عن الخاملين فقد عدوا مثل ذلك من الكبر وجعلوه عين الحمق لأن الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها ويغتنمها حيث ظفر بها فإن كان الخامل مرجو البركة فالنفع به أعم والتحصيل من جهته أهم وإذا سبرت أحوال السلف والخلف لم تجد النفع يحصل غالبا والفلاح يدرك طالبا إلا إذا كان للشيخ من التقوى نصيب وافر وعلى نصحه للطلبة دليل ظاهر وفي الموطأ ما يدل على أن على المستفتي سؤال الأعلم فالأعلم لأنه أقرب إصابة ممن دونه قال ابن القيم وعليه فطر الله عباده وقال الماوردي ليأخذ الطالب حظه ممن وجد طلبته عنده من نبيه وخامل ولا يطلب الصيت وحسن الذكر باتباع أهل المنازل من العلماء وبعد الذكر إذا كان النفع بغيرهم أعم إلا أن يستوي النفعان فيكون الآخذ عمن اشتهر ذكره وارتفع قدره أولى لأن الانتساب إليه أجمل والآخذ عنه أشهر وإذا قرب منك العلم فلا تطلب ما بعد وإذا سهل لك من وجه فلا تطلب ما صعب وإذا حمدت من خبرته فلا تطلب من لم تخبره فإن العدول عن القريب إلى البعيد عناء وترك الأسهل بالأصعب بلاء والانتقام عن المخبور إلى غيره خطر قال علي: عقبى الأخرق مضرة والمتعسف لا تدوم له مسرة وقال الحكماء: القصد أسهل من التعسف والكفاف أورع من التكلف"."

قلت: فهذه قاعدة ـ مقولة ابن سيرين ـ سنّية صلبة، لازمة لكل سنّي مقلد أن يعمل بها في شتى العلوم الشرعية، إنما الإشكال ليس فيها، ولكن في الاستثناء فيها بالنسبة لطلبة العلم،فلنوضح هذا الأمر، ثم نجيب الأخ عن سؤاله.

الاستثناء في القاعدة:

قال الوليد بن أبان الكرابيسي: قلت ليزيد بن هارون:"يا أبا خالد هذه المشيخة الضعفاء الذين تحدث عنهم؟ قال: أدركت الناس يكتبون عن كل، فإذا وقعت المناظرة حصلوا".

وعن المعتمر ابن سليمان عن أبي عمرو بن العلاء قال:"كان قتادة لا يغث عليه شئ يروي عن كل أحد".

قال رواد بن الجراح: قال سفيان الثوري:"خذ الحلال والحرام من المشهورين في العلم وما سوى ذلك من المشيخة".

فهذا يبين أن قاعدة ابن سيرين أخص برواية الحديث، فإن له شروطا غير شروط الفقه، وما يشترط لرواة الحديث من الضبط لا يشترط في الفقهاء، وقد عرف الفقهاء برواية الحديث بالمعنى، كما أنهم يحتاجون إلى قواعد فقهية و أصولية لا علاقة لها بالضبط و الإتقان.

قال أبو حفص: قال لي يحيى:"لا تكتب عن معمر عن رجل لا يعرف فانه لا يبالي عمن روى".

قال هشام بن عمار قال لي سويد بن عبد العزيز: قال لي شعبة: تأخذ عن أبي الزبير وهو لا يحسن يصلي؟! وتأخذ عن أبان بن أبي عياش، وإنما كان قتادة يروي عن أنس مائتي حديث وهو يروي ألفين؟ قال: ثم ذهب هو فأخذ عنهما"."

قال بقية بن الوليد: سمعت الأوزاعي يقول:"تعلم ما لا يؤخذ به كما تتعلم ما يؤخذ به."

قلت: يعني كتابة حديث الضعفاء لمعرفته، و الله أعلم.

عن عكرمة عن ابن عباس قال:"خذ الحكمة ممن سمعته، فقد يتكلم الرجل بالحكمة وليس بحكيم، فتكون بمنزلة الرمية من غير رام."

و بهذا يتبين أن قاعدة ابن سرين ليست على إطلاقها، بل أحيانا يؤخذ عن الضعيف، وعن أهل البدع و الأهواء فيما يشاركون فيه من علوم شرعية لأسباب معروفة قد ذكرها أهل العلم في باب الرواية عن المبتدع، ولكن يبقى هذا دائما محصورا في طلبة العلم،و معلوم أن طلب العلم درجات، فيستثنى من كلامي طالب العلم المبتدئ فإنه متى قدِر على اخذ العلم عن الموثوقين من أهل السنة لا يعدل إلى غيرهم.

أين العلم؟

العلم الحقيقي ليس في معرفة القواعد،بل معرفة الاستثناء فيها، وليس في معرفة العام بل في معرفة الحالات الخاصة،و ليس في معرفة المشترك بل في معرفة القدر المميز،فإن الذي يفرق بين النظر العلمي لقضية ما و النظر العامي أو العلمي السطحي ـ ولو صدر ممن صدرـ هو أن الأول يأخذ بعين الاعتبار جميع معطيات القضية، و القضايا تختلف منها ما يكفي فيها الجانب النظري وحده، ومنها ما تلبست بالواقع و تجارب الناس لا يكفي التنظير وحده، ومنها ما دخله الاشتراك مع غيره، وفصل القدر المشترك عن القدر المميز هو العلم الحقيقي أو الأكمل.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت