فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ومن خلال تتبع هذا اللفظ في كتب التراث، نلمس أنه يغلب على العلماء عدم التفريق بين كلمتي"مصطلح"و"اصطلاح"فقد استخدم المصطلحان وكأنَّهما مترادفان تمامًا، فالجاحظ ت255هـ يقول:"وهم تخيروا تلك الألفاظ لتلك المعاني، وهم اشتقوا لها من كلام العرب تلك الأسماء، وهم اصطلحوا على تسمية مالم يكن له في لغة العرب اسم فصاروا في ذلك سلفًا لكل خلف، وقدوة لكل تابع" (4) . فالعرب في رأيه ارتجلوا ألفاظًا معينة ليدل كل لفظ منها على معنى محدد وليؤدي مفهومًا واضحًا، معتمدين على الاشتقاق في وضع الأسماء للمسميات، ومالم يكن له اسم في لغتهم اصطلحوا عليه، وخلقوا له اسمًا أو ابتكروا له لفظًا للدلالة عليه. ولم تكن عملية الاصطلاح هذه مقصورة على شخص بعينه، بل كانت اتفاقًا بين اثنين أو أكثر، وكلما جَدَّ لهم معنى، أَوْجَدوا له اسمًا أو اشتقوه من لفظ معروف لمشابهة معينة، يقول:"ترك الناس مما كان مستعملًا في الجاهلية أمورًا كثيرة، فمن ذلك تسميتهم للخراج: أتاوة، وكقولهم للرشوة ولما يأخذه السلطان: الحلوان، والمكس، كما تركوا: انعم صباحًا، وانعم ظلامًا وصاروا يقولون: كيف أصبحتم وكيف أمسيتم ... واستحدثوا أسماء لم تكن وإنما اشتقت لهم من أسماء متقدمة، على التشبيه، مثل قولهم لمن أدرك الإسلام"مخضرم" (5) ."
وكذلك نجد الخوارزمي ت 380 هـ لا يفرق بين"الاصطلاح"و"المصطلح"فهو يقول في وصفه لكتابه"مفاتيح العلوم"إنه جعله"جامعًا لمفاتيح العلوم وأوائل الصناعات، مضمنًا ما بين كل طبقة من العلماء من المواضعات والاصطلاحات" (6) ويمكن القول إنه قد أورد في نصه السابق ألفاظًا متقاربة المعنى أو شبه مترادفة هي"مفاتيح، أوائل، مواضعات، اصطلاحات"، كل هذا يقودنا إلى القول بأن الخوارزمي لا يرى فرقًا ذا قيمة بين هذه الألفاظ.
ولا نعدم أن نجد من استخدم اللفظين بمعنى واحد، فهذا أبو الحسين أحمد بن فارس ت 395 هـ يقول:"حتى لا يكون شيء منه مصطلحًا عليه"ويقول في موضع آخر"ولو كانت اللغة مواضعة واصطلاحًا لم يكن أولئك في الاحتجاج بأولى منا، في الاحتجاج، بنا لو اصطلحنا على لغة اليوم ولا فرق" (7) . ثم يقول: إنه"لم يبلغنا أن قومًا من العرب في زمان يقارب زماننا أجمعوا على تسمية شيء من الأشياء مصطلحين عليه، فكنا نستدل بذلك على اصطلاح قد كان قبلهم، وقد كان في الصحابة وهم البلغاء الفصحاء من النظر في العلوم الشريفة ما لا خفاء به، وما علمناهم اصطلحوا على اختراع لغة أو أحداث لفظة لم تتقدمهم" (8) . ومثل هذا نجده عند التهانوي ت 1158 هـ الذي وسم كتابه باسم"كشاف اصطلاحات الفنون"وقد ذكر سبب وضعه لهذا الكتاب أنه لاحظ"اشتباه الاصطلاحات، فإن لكلٍّ اصطلاحًا خاصًا به"ونجده في موضع تال يقول:"فاقتبست منها المصطلحات، أوان المطالعة" (9) ، وهكذا نجد أن التهانوي لم يفرق بين الاصطلاح والمصطلح وتحدث عنهما كأنهما شيء واحد.
وفي العصر الحديث يمكن القول إنه قد ظهرت ثلاثة اتجاهات حول استخدام لفظي"مصطلح"و"اصطلاح": الاتجاه الأول اكتفى بلفظ"اصطلاح"للدلالة على معنى اللفظ الذي يوضع للدلالة على معنى من المعاني المستجدة، واستبعد لفظ"مصطلح"نهائيًا، ولم يأتِ على ذكر له، كما فعل أحمد فارس الشدياق في كتابه"الجاسوس على القاموس"فقال:"إن الاصطلاح هو اتفاق طائفة مخصوصة على أمر مخصوص" (10) ، ومثل هذا جاء في المعجم الوسيط"، اصطلحوا على الأمر تعارفوا عليه، واتفقوا، والاصطلاح ـ مصدرًا ـ هو اتفاق طائفة على شيء مخصوص، ولكل علم اصطلاحاته". (11)
وتحدث الاتجاه الثاني عن اللفظين باعتبارهما شيئًا واحدًا لا فرق بينهما، كما قال محمود فهمي حجازي" وكلا المصدرين"اصطلاح"و"مصطلح"لم يرد في القرآن الكريم أو في الحديث الشريف، أو في المعجمات العربية القديمة العامة. ومع تكون العلوم في الحضارة العربية الإسلامية تخصصت دلالة كلمة"اصطلاح"لتعني الكلمات المتفق على استخدامها بين أصحاب التخصص الواحد للتعبير عن المفاهيم العلمية لذلك التخصص. وبهذا المعنى استخدمت ـ أيضًا ـ كلمة"مصطلح"، وأصبح الفعل"اصطلاح"يحمل ـ أيضًا ـ هذه الدلالة الجديدة المحددة" (12) فالمصطلح و الاصطلاح شيء واحد لا فرق بينهما، فكلاهما استخدم من قبل أهل الاختصاص للدلالة على المفاهيم العلمية لهذا التخصص أو ذلك،
(يُتْبَعُ)