وأيضًا فإنَّ ولاية عثمان كان فيها من المصالح والخيرات ما لا يعلمها إلَّا الله، وما حصل فيها من الأمور التي كرهوها، كتأمير بعض بني أمية، وإعطائهم بعض المال، ونحو ذلك =فقد حصل من ولاية مَنْ بَعْدَه ما هو أعظم من ذلك من الفساد، ولم يحصل فيها من الصَّلاح ما حصل في إمارة عثمان.
وأين إيثار بعض الناس بولايةٍ أو مالٍ من كون الأمَّة يسفك بعضها دماء بعض، وتشتغل بذلك عن مصلحة دينها ودنياها، حتى يطمع الكفَّار في بلاد المسلمين؟! وأين اجتماع المسلمين وفتح بلاد الأعداء من الفُرقة والفتنة بين المسلمين، وعجزهم عن الأعداء، حتى يأخذوا بعض بلادهم، أو بعض أموالهم قهرًا أو صلحًا!! ...
ويقال ثالثا إذا كان كذلك ظهرت حجة عثمان فإنَّ عثمان يقولُ: إنَّ بني أمية كان رسول الله (ص) يستعملهم في حياته، واستعملهم بعده من لا يتَّهم بقرابة فيهم أبوبكر الصديق 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - وعمر 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ -، ولا نعرف قبيلة من قبائل قريش فيها عمَّال لرسول الله (ص) أكثر من بني عبد شمس؛ لأنَّهم كانوا كثيرين، وكان فيهم شرفٌ وسؤددٌ؛ فاستعمل النبي (ص) في عزة الإسلام على أفضل الأرض مكَّة (عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية) ، واستعمل على نجران (أبا سفيان بن حرب بن أمية) ، واستعمل أيضا (خالد بن سعيد بن العاص) على صدقات بني مذحج ...
والقاعدة الكليَّة في هذا أن لا نعتقد أن أحدًا معصوم بعد النَّبي (ص) ، بل الخلفاء وغير الخلفاء يجوز عليهم الخطأ والذنوب، التي تقع منهم، قد يتوبون منها، وقد تكفَّر عنهم بحسناتهم الكثيرة، وقد يبتلون أيضًا بمصائب يكفِّر الله عنهم بها، وقد يكفر عنهم بغير ذلك.
فكل ما ينقل عن عثمان غايته أنْ يكون ذنبًا، أو خطأً، وعثمان 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - قد حصلت له أسباب المغفرة من وجوهٍ كثيرةٍ، منها سابقته وإيمانه وجهاده وغير ذلك من طاعاته ... ومنها أنَّه تاب من عامة ما أنكروه عليه، وأنَّه ابتلى ببلاءٍ عظيمٍ؛ فكفَّر الله به خطاياه، وصبر حتى قتل شهيدًا مظلومًا، وهذا من أعظم ما يكفِّر الله به الخطايا.
وكذلك علي رضي الله عنه ما تنكره الخوارج وغيرهم عليه غايته أن يكون ذنبا أو خطأ، وكان قد حصلت له أسباب المغفرة من وجوهٍ كثيرةٍ .. ومنها أنَّه تاب من أمورٍ كثيرةٍ أنكرت عليه، وندم عليها، ومنها أنه قتل مظلومًا شهيدًا.
فهذه القاعدة تغنينا أن نجعل كل ما فعل واحد منهم هو الواجب أو المستحب من غير حاجةٍ بنا إلى ذلك.
والناس المنحرفون في هذا الباب صنفان:
القادحون الذين يقدحون في الشخص بما يغفره الله له.
والمادحون الذين يجعلون الأمور المغفورة من باب السَّعي المشكور.
فهذا يغلو في الشخص الواحد حتى يجعل سيئاته حسنات، وذلك يجفو فيه حتى يجعل السيئة الواحدة منه محبطة للحسنات.
وقد أجمع المسلمون كلهم حتى الخوارج على أن الذنوب تمحى بالتوبة، وأن منها ما يمحى بالحسنات.
وما يمكن أحد أن يقول إن عثمان أو عليا أو غيرهما لم يتوبوا من ذنوبهم، فهذه حجة على الخوارج الذين يكفرون عثمان وعليًّا، وعلى الشيعة الذين يقدحون في عثمان وغيره، وعلى الناصبة الذين يخصون عليا بالقدح ...
وهذا الوليد بن عقبة الذي أنكر عليه ولايته قد اشتهر في التفسير والحديث والسِّيَر أنَّ النبيَّ (ص) ولَّاه على صدقات ناسٍ من العرب فلمَّا قرب منهم خرجوا إليه فظنَّ أنَّهم يحاربونه فأرسل الى النَّبيِّ (ص) يذكر محاربتهم له فأراد النَّبيُّ (ص) أن يرسل إليهم جيشًا فأنزل الله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) ) [الحجرات/ 6] .
فإذا كان حال هذا خفي على النبي صلى الله عليه و سلم فكيف لا يخفى على عثمان؟!!
وإذا قيل: إنَّ عثمان ولَّاه بعد ذلك؟ فيُقَال: باب التَّوبة مفتوح، ...
وعلي رضي الله عنه تبَّين له من عُمَّاله مالم يكن يظنُّه فيهم، فهذا لا يقدح في عثمان ولا غيره، وغاية ما يقال: إنَّ عثمان ولَّى من يعلم أنَّ غيره أصلح منه، وهذا من موارد الاجتهاد ...
وكذلك قوله: إنَّه استعمل سعيد بن العاص على الكوفة، وظهر منه ما أدَّى إلى أن أخرجه أهل الكوفة منها. فيُقَالُ: مجرد إخراج أهل الكوفة لا يدلُّ على ذنبٍ يوجب ذاك؛ فإنَّ القوم كانوا يقومون على كلِّ والٍ! قد قاموا على سعد بن أبي وقاص، وهو الذي فتح البلاد، وكسر جنود كسرى، وهو أحد أهل الشورى، ولم يتول عليهم نائب مثله، وقد شكوا غيره مثل عمار بن ياسر، وسعد بن أبي وقاص، والمغيرة بن شعبة، وغيرهم، ودعا عليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: (( اللهم إنهم قد لبسوا علي فلبس عليهم ) ).
وإذا قُدِّر أنَّه أذنب ذنبًا فمجرَّد ذلك لا يوجب أن يكون عثمان راضيًا بذنبه.
ونوَّابُ علي قد أذنبوا ذنوبًا كثيرةً، بل كان غير واحد من نوَّاب النَّبيِّ (ص) يذنبون ذنوبًا كثيرة، وإنما يكون الإمام مذنبًا إذا ترك ما يجب عليه من إقامة حدٍّ، أو استيفاء حقٍّ، أو اعتداء ونحو ذلك.
وإذا قُدِّر أنَّ هناك ذنبًا فقد عُلِم الكلام فيه ... الخ )) .
(يُتْبَعُ)