فهرس الكتاب

الصفحة 22425 من 28557

يقول الأستاذ محمد الأمين المصري: لم تذكر الآيات شيئًا من أعمال المؤمنين في بدر، ولكن ذكرت عتابًا أليمًا موجعًا يحمل المؤمنين على الرجوع إلى أنفسهم والاستحياء من ربهم، وهناك نقاط أرست الآيات النقاط عليها وبينت نواحي الضعف فيه جليًّا قويًّا، بتصوير ما في النفوس وصفًا دقيقًا رائعًا تشاهد العين فيه الحركات والخلجات، وكل ذلك من شأنه أن ينبه المؤمن ليلمس المسافة بينه وبين درجات الإيمان، التي يهفو قلبه للوصول إليها.

ولقد كانت الآيات من تربية الحكيم العليم، ويشعر الذوق السليم ها هنا روعة الأسلوب في عرض العتاب بغير عتاب، ولكنه تصوير ما في النفوس تصويرًا يوقن معه العادي من الناس، أنه ما كان لمؤمن صحيح الإيمان أن يتصف بها، ولذلك اقترنت الآيات بتقديم خصائص الإيمان العالية وميزاته الرفيعة التي تصور الفجوة البعيدة بين المؤمن وبين أي إسفاف: ?إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) ?

ما ذكرت الآيات عتابًا ولكنها ذكرت واقعًا، وكان ذكر الواقع أبلغ من كل عتاب (3) .

الجو النفسي والتوجيه التربوي:

إن التوجيه التربوي في إرجاء إنزال جواب السؤال عن الغنائم، يشير إلى أن الأحكام الشرعية ينبغي أن يُهيَّأ لها الجو النفسي الروحي المناسب، لتحتل مكانها اللائق في العقل والضمير، فتثبت وتتمكن، وتؤتي أطيب النتائج، إذ يتجلى فيها أكمل الحلول.

وهكذا صرف المولى- جل شأنه- عباده المسلمين عن التعلق بالغير أولًا، وبالغنائم ثانيًّا، ليكونوا له من المخلصين الجديرين بنصره، وإتمام نعمته، فلما تفرغوا للخالق وأخلصوا في الجهاد، أكرمهم بالنصر من لدنه, أسبغ عليهم من فضله بأكثر مما كانوا يودون (4) .

ثانيًا: حادث الإفك وظاهرة نقل الكلام والدعاية المغرضة

حادث الإفك حادث مشهور ومعروف في كتب السير، حادث خاضت فيه الألسن وتجرأت وتحدثت على أطهر بيت عرفته البشرية، وأشرف الناس مكانة ومنزلة، إنه الخوض في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحاولة النيل منه، وتساهل البعض في ترديد المقالة دون تروٍ أو تريص، ويمكنك أن ترجع إلى القصة في موضع ذكرها في كتب السير لتدرك خطورة الحدث ومدى تأثيره على الصف المسلم، وكيف كان هذا التساهل في إحداث بلبلة كبيرة وسط الفئة المسلمة.

وأريدك أخي القارئ أن: تتخيل معي حال السيدة عائشة رضي الله عنها وهي تقول"وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا لا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ حَتَّى إِنِّي لأَظُنُّ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي"لتدرك حجم الضرر النفسي عليها.

وتتخيل معي أخي القارئ الرسول صلى الله عليه وسلم عندما وقف على المنبر قائلًا"من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهل بيتي؟"لتدرك أثر الكلمة على الشرفاء والأطهار.

وتتخيل معي أخي القارئ موقفه صلى الله عليه وسلم حين يقول لزوجة عائشة وقد غاب عنه الوحي شهرًا كاملًا"يَا عَائِشَةُ إِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ"

ولكي تدرك خطورة المشكلة وأثرها إليك تعليق الأستاذ سيد قطب رحمه الله وهو يصف أطراف الحادثة: الرسول الكريم:

"ها هو ذا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو رسول الله، وهو الذروة من بني هاشم .. ها هو ذا يُرمَّى في بيته وفي مَنْ؟ في عائشة التي حلت من قلبه مكان الابنة والزوجة والحبيبة، وها هو ذا يُرمَّى في طهارة فراشه، هو الطاهر الذي تفيض منه الطهارة، وها هو ذا يرمى في صيانة حرمته، وهو القائم على الحرمات في أمته ..."

الصحابي الجليل أبو بكر الصديق:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت