فهرس الكتاب

الصفحة 22519 من 28557

فهي إذن؛ في حاجة إلى (تكميل) أكثر مما هي في حاجة إلى (تغيير) ، هذه حقيقة يعرفها من خبر مناهج الاستنباط الفقهي في مصادرها الأصيلة، وذلك على الأقل في هذه المرحلة من تاريخ الأمة العلمي. قلت: هذا لمن كان يعرف طبيعة المادة الأصولية والمقاصدية حق المعرفة؛ من خبراء الميدان. فالدرس الأصولي غني جدًّا بالتنوع المنهجي، وبالتعدد الإمكاني لمسالك البحث والاستنباط؛ بما يكفل تغطية أغلب الحاجات العلمية للأمة، في العصر الحديث.

إن الحاجة اليوم هي في تجديد الضوابط الأصولية، والقواعد المقاصدية، فيما يتعلق بفقه الأولويات والموازنات، وكذا قواعد ترتيب الحجاج والاستدلال. فأصول هذه الأمور تكاد تنعدم، فالخبراء يستنبطون مفهوماتها لأنفسهم، ويبقى غيرهم من أهل العلم تائهين في فتنة تعارض الظواهر ومقتضيات الدلالات، فتدخل الأمة بذلك في فتنة ردود الأفعال، من مثل ما يحصل اليوم من افتراقٍ مفتونٍ، ينشق بين قوم لا يشتغلون بالسنة مكتفين فقط بالقرآن! وبين قوم آخرين لا يشتغلون بالقرآن مكتفين فقط بالسنة! وبين قوم آخرين لا يقبلون اجتهادًا في الدلالة ولا في مقاصد الشريعة؛ ولا نظرًا في تحقيق المناط بين عموم وخصوص! وقوم غيرهم تسيبوا في تفسير الخطاب الشرعي بما يخالف الأصول الكلية والثوابت الشرعية. كل ذلك ردود أفعال لا شعورية؛ بسبب غياب العدل في العلم، والقصد في المنهج.

إننا في حاجة إلى تكميل أصول الفقه بقواعد، تضمن بناء مراتب التشريع .. بترتيب التفكير الفقهي، وضبط مراحله الذهنية؛ بدءًا بمرحلة الفهم للنص: كيف يتم؟ ثم مرحلة الاستنباط منه: كيف تقع؟ ثم مرحلة التحقيق للمناط: كيف تتنزل أحوالها ومآلاتها بين العموم والخصوص؟ وما يعتري كل ذلك من تقديم وتأخير، أو استثناء وتخصيص، للأدلة بعضها على بعض، وبعضها من بعض، إلى غير ذلك من سائر الأحوال، والممكنات الاستدلالية في الدرس الأصولي والمقاصدي.

وعدم اعتبار هذه المعاني الكلية، والترتيبات الاستدلالية يؤدي إلى أحد غُلوّين: غلو في اعتبار القرآن بلا سنة، أو السنة بلا قرآن، أو غلو في اعتبار النصوص مطلقًا بلا فقه، ولا منهج معلوم، وإنما هي الفوضى في المنهج وفي التفكير!

كما أننا في حاجة - بعد ذلك - إلى تكميل قواعد تحقيق المناط بمعناه العام والخاص. وتطوير ذلك من مجال النفس إلى مجال المجتمع، ذلك أن كثيرًا من التضارب بين العلماء والدعاة اليوم، في الفتاوى وفي رسم التوجهات الفقهية؛ يرجع في غالبه إلى غياب ما يمكن تسميته بفقه (تحقيق المناط الاجتماعي) . وهو صناعة أصولية درج بعضهم على تسميتها اليوم: (بفقه التنزيل) .. تنزيل النصوص على الوقائع .. وهذا لا يزال في حاجة إلى تأصيل وتقعيد، وما صنف من هذا في التراث القديم هو فعلًا في حاجة إلى (تجديد) بعض نماذجه؛ خاصة في مجال المعاملات والعادات؛ إذ فقه تحقيق المناط في مثل هذه الأمور مرتبط بطبيعة الزمان وأهله، يتغير بتغيرها، وقد تغير فعلًا منه الكثير الكثير، فلا بد من تجديد ذلك، على شروط العلم، وقواعد المنهج الأصولي والمقاصدي.

وأما تجديد مقاصد الشريعة من أصول الفقه، فهو ـ أولًا ـ بالصياغة المنهجية؛ لما يوجد منها منثورًا في كتب الفقه وأصوله، ومعلوم أن من فعل ذلك من العلماء الأقدمين والمحدثين في الأمة قليل، فلا يذكر منهم غير الشاطبي في الأقدمين وشراحه من المحدثين ـ كالطاهر بن عاشور والدكتور أحمد الريسوني ـ، المفاهيم المقاصدية لا تزال مبثوثة في كتب الأقدمين ليس فقط في الكتب المشتهرة بذلك كقواعد الأحكام للعز بن عبد السلام، كلا! وإنما في كتب الفقه مطلقًا وفي كل كتب الأصول، بل في كتب التفسير أيضًا وفقه الحديث، وهي تحتاج إلى كشف أولًا، ثم إلى صياغة علمية منهجية على وزان القواعد والأصول.

ويضاف إلى ذلك ـ ثانيًا ـ ما دعت إليه الحاجة المعاصرة؛ من تقعيد القواعد؛ مما يُقَصِّدُ الشارع تقصيدًا شرعيًا، في تفسير النصوص الكلية؛ لاستيعاب المفهومات الجديدة للمصالح والمفاسد والحقوق؛ بما ينضبط إلى أحكام الشريعة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت