فهرس الكتاب

الصفحة 22553 من 28557

ـ [الفضي] ــــــــ [06 - May-2010, مساء 05:28] ـ

و هذا كلامه و دفاعه عن علم الكلام

قال ابن خمير السبتي رحمه الله تعالى (توفي 614هـ) في كتابه: (مقدمات المراشد إلى علم العقائد) ما نصه: - (ص 79 - 83) طبعة د. جمال علال البختي/ المغرب 2004 - .

باب الكلام في الرد على من عاب هذا العلم وطعن فيه من أهل التعصب بالجزاف.

اعلم -رحمك الله- أن الذين طعنوا في هذا العلم الشريف، الذي لا تصح القربة على الله إلا به، وعابوه، ثلاثة أصناف:

الزنادقة، وبعض المبتدعة، ومقلدو الظاهرية من الإسلاميين.

فأما الزنادقة المتسترون بالكلمة، فإنهم معذورون في ذلك؛ لأنهم لا يجدون من يعري عوراتهم وتقليدهم العوائد سوى أهل هذا الشأن، فهم كما قيل:

كل العداوات قد ترجى مودتها إلا عداوة من عاداك في الدين

وأما معظم المبتدعة فلا ينكرون أصل هذا العلم، لاسيما المعتزلة والقدرية، فإنهم يتشبثون [به] ، وفيه يخوضون، وإنما وقع إنكارهم على أهل السنة المفاقسين لهم في بعض مسائل النظر.

وأما الصنف الثالث من المنتمين إلى الظاهر، فهم على ثلاثة أضرب:

الضرب الأول: قوم ينكرون أصله، ويحتجون بأنه ما كان في زمن الرسول عليه السلام، ولا في زمن الصحابة بعده، ويأتي مع ذلك بآي وأخبار تأولوها على غير تأويلها، وهم أضر على المقلدة من كل من تقدَّم ذكرهم؛ فإنهم ينتمون في إنكاره إلى الشرع، فيغالطون السواد الأعظم لتلك التأويلات المخطئة.

وضرب يعتقد أنه حق، وأنه أصل علوم الشريعة ومستندها، إلا أنه يمنعه الكبر ولاحسد أن يقر بذلك من أجل أن حصله أبناء جنسه، ولمن ينل منه هو شيئًا، إما لكونه لم يتعلمه، أو قصد تعلمه ولم يفتح له فيه، ولا وسعه ذهنه، قال تعالى: (وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم) ، وقال: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه) ، وجاء في الخبر: من جهل شيئًا عاداه.

وضرب ثالث وهم قومٌ بله، يقلدون هؤلاء الأصناف، ويتلقفون منهم جزافًا.

فأما الصنفان من الزنادقة والمبتدعة فقد نبهتك سبب إنكارهم.

وأما الصنف الثالث فإنهم ابتدعوا هذا الإنكار من الوجوه التي قدمت أولًا، ومعلوم أنه ما صح عمن يؤبه به ويقتدى بقوله من فقهاء الدين والفضلاء المتدينين أنه ذم هذا العلم ولا طعن فيه.

وحاشا لمن توسم بالحنيفية أن ينكر علمًا يثبت توحيد الباري تعالى ووصفه بإثبات صفات الكمال، ونفي النقص عنه تعالى، وتنزيهه عما نسب إليه أصناف الكفرة وأهل الأهواء، وكذلك إثبات النبوة بالمعجزات والاستدلال علىص صحتها وصحة التفرقة بين الصادق والكاذب، وما يجب على المكلف ومتى يجب.

وأي علقة تبقى من إيمان من ينكر العلم بهذه الأمور، ويحض على تركها؟!

وإن ما حكي عن الشافعي رحمه الله من ذم علم الكلام فأغلب الظن به وبمنصبه أنه لم يقل ذلك، وإن صح عنه فإنما كان خصوصًا للمبتدعة، فإنهم يسمون بمتكلمين، وعلم الكلام يشمل السنة والبدعة كما تقدم، فإن علم الكلام من أجل المعتزلة وقع ودون ودرس وانتصب لإقرائه أهل السنة ليردوا به على الطاعنين المضلين الاثنين والسبعين الذين تقدم ذكرهم، فما أولى الغبي بالسكوت لو عقل.

فإن صح عن الشافعي رحمه الله أنه ذم المتكلمين فإنما ذم هؤلاء الاصناف، كحفص الفرد والجعل وشيطان الطاق وغيلان الدمشقي، وواصل بن عطاء الغزال والجعد بن درهم وعمرو بن عبيد ومعبد الجهني.

وأما أهل السنة الذابون عن دين الله تعالى فحاشا لهم أن يقعوا في ذلك، فكيف الشافعي؟ مع أنه صنف كتاب القياس في علم الكلام، ورد فيه على الملحدة، وكتابًا في الرد على البراهمة، وكذلك أبو حنيفة رحمه الله في كتاب العالم والمتعلم وفي كتاب الوصية إلى عثمان الهذلي، صنفهما في علم الكلام والرد على أهل الأهواء، وكذلك مالك رحمه الله، كان يختلف إلى ابن هرمز في تعلم علم الكلام خمس عشرة سنة، لكنه لم يصنف فيه.

وأما الشافعي فهو أول من أصل أصول الفقه وتكلم فيها، وهي مبنية على علم الكلام؛ إذ لا بد لها من التصدير بحدود عقلية، كحد العلم وحد الإرادة وحد الكلام، وتفاصيل الأمر والنهي .. إلى غير ذلك.

ثم العجب ممن يذم الكلام، ونسب ذمه للشافعي، وكتب الذام له مشحونة بأطراف من علم الكلام ليست هناك، ولولا ما زخرفها [من] تلك الأطراف لم تتقدم ذرة.

وأعجب من ذلك أنه ما سمعنا ناسًا على المنبر ولا صحاب سارية إلا وهو يزين مجلسه بأطراف من كلامهم، ويذمهم في إثر ذلك، لجهلهم بقدر هذا العلم أو لغلطهم، فإن كل خطبة تسمع منهم وكل فائدة تنفذ إلى تنزيه الباري تعالى وتقديسه، فإنما تنال عن أهل هذا العلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت