فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ولهذا لا ينتهج أهل السنة العنف ولا التحزب السياسي لأنه نهج لا يرتبط مع هذا التصور للدولة لديهم، لأن التوحيد والاستسلام لله تعالى والتحلي بالأخلاق الإسلامية في كل تجلياتها أقصد في المعاملات والأحوال الشخصية تقوم على الاقتناع الطوعي لا على الإكراه.
وعليه وجب علينا كأمة بنيت وقامت على الحقائق العلمية الثابتة أن ندرك الفرق بين الإقناع والاقتناع أن الأول يجب أن يعم غيري بينما الثاني لا يتجاوز ذاتي، ومن المسلمين من عنده قدرة على الإقناع، ومنهم من ليس لديه إلا الاقتناع بأن المنهج السني صحيح، وصالح لكل الناس، ولكنه لا يملك القدرة على إقناع الغير به، وعليه يجب أن لا نخلط بينهما، ونلزم هذا بما يصلح لذاك.
فالاقتناع مهما كان رائعا قويا في النفس مصداقيته شخصية، بينما يجب أن يكون الإقناع مصداقيته عامة أو غالبة، وهنا يكمن الفرق بين العلم والرأي.
فلا يجب أن نعد تصديقنا الذاتي برهانا يلزم الآخرين ونكتفي به لتقرير الأحكام وإن كان في حقيقة الأمر كذلك إن لم نقدر على نقله لغيرنا.
وإن كان بعض أهل السنة المخلصين قد عارضهم بعض الناس على أفكارهم بمجرد اقتناعهم الشخصي الخاص الذي يعجزون عن البرهنة عليه بالتدليل العلمي، وهذا أمر حاصل وواقع لا يجب أن نتذمر منه كثيرا لأننا في طور بناء أمة إسلامية قوية تعطي العلم حقه ومكانته فما عليهم إلا الحرص على إقناع الأخرين.
إن الأصل المعرفي عند أهل السنة أننا إذا كنا نتوقع من الكتاب والسنة أن يوضحوا لنا السبيل والأسلوب للنهوض بهذه الأمة فلا يجب أن نرشدهما سلفا بالتأويلات المتعسفة إلى الجهة التي يجب أن نصير إليها.
جل المسلمين لهم يقين راسخ أن الدين الإسلامي ختم الله به الرسالات السموية لأنه الدين الصالح للبشرية إلى قيام الساعة، وقد تكلم علماء الإسلام عن القرآن وأن دلائله لا تنقطع، وأنه فيه الأجوبة على مشكلات البشرية الكبرى إلى قيام الساعة.
فهذا أمر يعتقده غالب المسلمين، ولكن الفرق بين الاعتقاد والواقع أننا في كثير من الأحيان عجزنا عن إخراج هذه الحقيقة إلى عالم الواقع و العمل، ونحن إذا رجعنا إلى كتابات ابن تيمية نجده قد استخلص من الكتاب والسنة حلولا و براهين تحل المشاكل التي طرحتها الفلسفة وعلم الكلام والدولة في وقته مما يعني أن النص يحمل دلالات كثيرة تظهر بالبحث عنها عند استشعار المشكل، فلم يحتج المسلمون إلى استنباط علم جديد أو فكر لحل مشكلات عصرهم بل وجدوا في الكتاب والسنة ما يكفل ذلك باعتبار قوة القرآن البرهانية وصلاحيته للبشر إلى آخر الدنيا.
وعليه فنحن اليوم قادرون على إيجاد الحلول لمشاكلنا المعاصرة في كتاب الله وسنة نبيه مثلهم تماما، ولكن علينا أولا إدراك عمليا القيمة العلمية للكتاب والسنة ثم إدراك مشاكلنا والتحديات التي تواجه أمتنا لنبحث عن الحل في الكتاب والسنة، وليس في العلمانية والديمقراطية.
ولو أننا قارنا بين الثورة الفرنسية والثورات العربية، لوجدنا أن الثورات العربية لا تشكل إلاّ حدثا تاريخيا لأنّها لم تكن ثورات فكرية وعلمية وعقدية على أوضاع فاسدة، ولكنها في الغالب ثورات من أجل الأرض واسترجاع الأرض، ودفع الصائل أمر فطري في الناس لا علاقة له بالإسلام، وكل شعب المعمورة قامت به.
ولذلك ليس للثورات التي قام بها العرب في هذا العصر أي امتداد فكري وعقدي وخلقي على حياة المسلمين، بخلاف الثورة الفرنسية التي قامت من أجل تغيير فكري والمطالبة بوضع فكري جديد، وكانت لها قاعدتها الفكرية المتمثلة في الجمهورية وقيم العلمانية وغير ذلك، لا زالت هذه الثورة حية لحد اليوم وتشكل دافعا في الثقافة اليومية للغربيين.
وعليه فإن الإسلام أو الثورة الإسلامية ـ إذا صحّ التعبير ـ التي قام بها الصحابة على الجاهلية والشرك، لم تكن من أجل استرجاع الأرض، أو دفع الصائل ولكنها قامت لتقر مبدأ التوحيد، وتحمل القيم الجديدة والخالدة إلى البشرية جمعاء، فهي ثورة علمية معرفية لنشر الإيمان والفضيلة ترتكز على أساس عقدي متكامل له وسائله العلمية والمنهجية موجودة في الناس مادامت الثورة العلمية الدعوية على الشرك والكفر والانحراف قائمة.
ولكن عندما تحدث فجوة بين الأساس العقدي والفكري العلمي لهذه الثورة المتمثل في منهج السلف الصالح ومفهومهم للدين وبين واقع المسلمين اليوم لا يصبح الدين إلا كحدث تاريخي لا أثر له في حياة الناس اليومية إلا عبر التقليد، أو الظهور في المواسم والأعياد.
فإذا أزمة المسلمين اليوم مع الإسلام أزمة تضييع الأساس الفكري والعقدي لهم الذي يتيح لهم رؤية الإسلام عامل عملي في حياتهم اليومية يدفعهم إلى التفوق والبحث عن حلول الإشكالات، هذا هو الطرح السني في ثوبه الفكري عندما يطالبون الناس بالرجوع إلى عقيدة ومنهج وفكر السلف الصالح قبل أن تظهر فيه عوامل خارجية سلبية مع الاستعداد لقبول كل جديد لا يتعارض وأصول الإسلام وثوابته.
فعندما ينادي أهل السنة بأعلى صوتهم أن السبيل هو العقيدة ومنهج السلف الصالح ليس لنا أن نتصور في أذهاننا مسجدا قد امتلأ عن آخره بالعباد بل علينا أن نتصور إنسانا وأمة مستسلمة لله تعالى في عقيدتها وفكرها وأخلاقها ومعاملتها في أي مجال من المجالات، أي عباد في البيت والشارع والمعمل والمسجد.
فالنهضة الإسلامية مربوطة حتما بالانطلاق العقدي والفكري والمنهجي وإلا ستصير كالثورات العربية المعاصرة حدث تاريخ يموت امتداده يوم يموت من قاموا به، وإن أرادت السلطات إحيائه لاستغلاله في تسييس الشعوب وتلهيتها فالأموات لا يرجعون إلى الحياة إلاّ كأصنام ودمى وصور على الحائط.
أرزيو/ الجزائر في12 رمضان1430
مختار الأخضر طيباوي
(يُتْبَعُ)