فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فأخبر تعالى أن المؤمنين إن أطاعوا الكفار فلا بد أن يردوهم على أعقابهم عن الإسلام، فإنهم لا يقنعون منهم بدون الكفر، وأخبر أنهم إن فعلوا ذلك صاروا من الخاسرين في الدنيا والآخرة، ولم يرخص في موافقتهم وطاعتهم خوفًا منهم، وهذا هو الواقع، فإنهم لا يقنعون ممن وافقهم إلا بشهادة أنهم على حق، وإظهار العداوة والبغضاء للمسلمين، وقطع اليد منهم، ثم قال: {بل الله مولاكم وهو خير الناصرين} فأخبر تعالى أن الله مولى المؤمنين وناصرهم، وهو خير الناصرين ففي ولايته وطاعته غُنية وكفاية عن طاعة الكفار، فيا حسرة على العباد الذين عرفوا التوحيد ونشأوا فيه، ودانوا به زمانًا، كيف خرجوا عن ولاية رب العالمين، وخير الناصرين، إلى ولاية القباب وأهلها، ورضوا بها بدلًا عن ولاية من بيده ملكوت كل شيء؟! بئس للظالمين بدلًا.
الدليل الخامس: قوله تعالى: {أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} :
فأخبر تعالى أنه لا يستوي من اتبع رضوان الله، ومن اتبع ما يسخطه، ومأواه جهنم يوم القيامة.
ولا ريب أن عبادة الرحمن وحدها ونصرها، وكون الإنسان من أهلها، من رضوان الله، وأن عبادة القباب والأموات ونصرها والكون من أهلها مما يسخط الله، فلا يستوي عند الله من نصر توحيده ودعوته بالإخلاص وكان مع المؤمنين، ومن نصر الشرك ودعوة الأموات وكان مع المشركين.
فإن قالوا: خفنا. قيل لهم: كذبتم.
وأيضا فما جعل الله الخوف عذرًا في اتباع ما يسخطه، واجتناب ما يرضيه. وكثير من أهل الباطل إنما يتركون الحق خوفًا من زوال دنياهم. وإلا فيعرفون الحق ويعتقدونه، ولم يكونوا بذلك مسلمين.
الدليل السادس: قوله تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا} :
أي في أي فريق كنتم؟ أفي فريق المسلمين، أم في فريق المشركين؟ فاعتذروا عن كونهم ليسوا في فريق المسلمين بالاستضعاف، فلم تعذرهم الملائكة، وقالوا لهم: {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا} .
ولا يشك عاقل أن البلدان الذين خرجوا عن المسلمين صاروا مع المشركين، وفي فريقهم وجماعتهم. هذا مع أن الآية نزلت في أناس من أهل مكة أسلموا واحتبسوا عن الهجرة، فلما خرج المشركون إلى بدر أكرهوهم على الخروج معهم، فخرجوا خائفين، فقتلهم المسلمون يوم بدر، فلما علموا بقتلهم تأسفوا وقالوا: قتلنا إخواننا، فأنزل الله فيهم هذه الآية.
فكيف بأهل البلدان الذين كانوا على الإسلام فخلعوا ربقته من أعناقهم، وأظهروا لأهل الشرك الموافقة على دينهم، ودخلوا في طاعتهم، وآووهم ونصروهم، وخذلوا أهل التوحيد، واتبعوا غير سبيلهم، وخطؤوهم، وظهر فيهم سبهم وشتمهم وعيبهم، والاستهزاء بهم، وتسفيه رأيهم في ثباتهم على التوحيد، والصبر عليه، وعلى الجهاد فيه، وعاونوهم على أهل التوحيد طوعًا لا كرهًا، واختيارًا لا اضطرارًا؟ فهؤلاء أولى بالكفر والنار من الذين تركوا الهجرة شحًا بالوطن، وخوفًا من الكفار، وخرجوا في جيشهم مكرهين خائفين.
فإن قال قائل: هلاَّ كان الإكراه على الخروج عذرًا للذين قتلوا يوم بدر؟
قيل: لا يكون عذرًا، لأنهم في أول الأمر لم يكونوا معذورين إذا قاموا مع الكفار، فلا يعذرون بعد ذلك بالإكراه، لأنهم السبب في ذلك حيث قاموا معهم وتركوا الهجرة.
الدليل السابع: قوله تعالى: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذًا مثلهم} :
فذكر الله تعالى أنه نزل على المؤمنين في الكتاب أنهم إذا سمعوا آيات الله يكفر بها، ويستهزأ بها، فلا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره. وأن من جلس مع الكافرين بآيات الله، المستهزئين بها في حال كفرهم واستهزائهم، فهو مثلهم.
ولم يفرق بين الخائف وغيره إلا المكره، هذا وهم في بلد واحد في أول الإسلام، فكيف بمن كان في سعة الإسلام وعزة بلاده، فدعا الكافرين بآيات الله المستهزئين بها إلى بلاده، واتخذهم أولياء وأصحابًا وجلساء، وسمع كفرهم واستهزاءهم وأقرَّهم وطرد أهل التوحيد وأبعدهم؟
(يُتْبَعُ)