فهرس الكتاب

الصفحة 22735 من 28557

إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ.

الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ أَوْلَادِ يَعْقُوبَ بِهَذَا الضَّلَالِ الَّذِي وَصَفُوا بِهِ أَبَاهُمْ - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ إِنَّمَا هُوَ الذَّهَابُ عَنْ عِلْمِ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ كَمَا يَنْبَغِي.

وَيَدُلُّ لِهَذَا وُرُودُ الضَّلَالِ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي الْقُرْآنِ وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ. فَمِنْهُ بِهَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى عَنْهُمْ مُخَاطِبِينَ أَبَاهُمْ: قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ [12\ 95] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [93\ 7] ، أَيْ لَسْتَ عَالِمًا بِهَذِهِ الْعُلُومِ الَّتِي لَا تُعْرَفُ إِلَّا بِالْوَحْيِ، فَهَدَاكَ إِلَيْهَا وَعَلَّمَكَهَا بِمَا أَوْحَى إِلَيْكَ مِنْ هَذَا الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَمِنْهُ بِهَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ الشَّاعِرِ:

وَتَظُنُّ سَلْمَى أَنَّنِي أَبْغِي بِهَا ... بَدَلًا أَرَاهَا فِي الضَّلَالِ تَهِيمُ

يَعْنِي أَنَّهَا غَيْرُ عَالِمَةٍ بِالْحَقِيقَةِ فِي ظَنِّهَا أَنَّهُ يَبْغِي بِهَا بَدَلًا وَهُوَ لَا يَبْغِي بِهَا بَدَلًا.

وَلَيْسَ مُرَادُ أَوْلَادِ يَعْقُوبَ الضَّلَالَ فِي الدَّيْنِ ; إِذْ لَوْ أَرَادُوا ذَلِكَ لَكَانُوا كُفَّارًا، وَإِنَّمَا مُرَادُهُمْ أَنَّ أَبَاهُمْ فِي زَعْمِهِمْ فِي ذَهَابٍ عَنْ إِدْرَاكِ الْحَقِيقَةِ، وَإِنْزَالِ الْأَمْرِ مَنْزِلَتَهُ اللَّائِقَةَ بِهِ، حَيْثُ آثَرَ اثْنَيْنِ عَلَى عَشَرَةٍ، مَعَ أَنَّ الْعَشَرَةَ أَكْثَرُ نَفْعًا لَهُ، وَأَقْدَرُ عَلَى الْقِيَامِ بِشُئُونِهِ وَتَدْبِيرِ أُمُورِهِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ الضَّلَالَ أُطْلِقَ فِي الْقُرْآنِ إِطْلَاقَيْنِ آخَرَيْنِ:

أَحَدُهُمَا الضَّلَالُ فِي الدِّينِ، أَيِ الذَّهَابُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ، وَهَذَا أَشْهَرُ مَعَانِيهِ فِي الْقُرْآنِ، وَمِنْهُ بِهَذَا الْمَعْنَى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [1\ 7] وَقَوْلُهُ: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ [37\ 71] ، وَقَوْلُهُ: وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا [36\ 62] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

الثَّانِي إِطْلَاقُ الضَّلَالِ بِمَعْنَى الْهَلَاكِ، وَالْغَيْبَةِ، مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: ضَلَّ السَّمْنُ فِي الطَّعَامِ، إِذَا غَابَ فِيهِ وَهَلَكَ فِيهِ، وَلِذَلِكَ تُسَمِّي الْعَرَبُ الدَّفْنَ إِضْلَالًا ; لِأَنَّهُ تَغْيِيبٌ فِي الْأَرْضِ يَئُولُ إِلَى اسْتِهْلَاكِ عِظَامِ الْمَيِّتِ فِيهَا ; لِأَنَّهَا تَصِيرُ رَمِيمًا وَتَمْتَزِجُ بِالْأَرْضِ، وَمِنْهُ بِهَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ الْآيَةَ [32\ 10] .

وَمِنْ إِطْلَاقِ الضَّلَالِ عَلَى الْغَيْبَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [7\ 53] ، أَيْ: غَابَ وَاضْمَحَلَّ.

وَمِنْ إِطْلَاقِ الضَّلَالِ عَلَى الدَّفْنِ قَوْلُ نَابِغَةِ ذُبْيَانَ:

فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ... وَغُودِرَ بِالْجَوْلَانِ حَزْمٌ وَنَائِلُ

فَقَوْلُهُ: مُضِلُّوهُ، يَعْنِي دَافِنِيهِ، وَقَوْلُهُ: بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ، أَيْ: بِخَبَرٍ يَقِينٍ، وَالْجَوْلَانُ: جَبَلٌ دُفِنَ عِنْدَهُ الْمَذْكُورُ.

وَمِنَ الضَّلَالِ بِمَعْنَى الْغَيْبَةِ وَالِاضْمِحْلَالِ قَوْلُ الْأَخْطَلِ:

كُنْتُ الْقَذَى فِي مَوْجٍ أَكْدَرَ ... مُزْبِدٍ قَذَفَ الْأَتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلَالَا

وَقَوْلُ الْآخَرِ:

أَلَمْ تَسْأَلْ فَتُخْبِرْكَ الدِّيَارُ ... عَنِ الْحَيِّ الْمُضَلَّلِ أَيْنَ سَارُوا

(أضواء البيان 2/ 203 - 204)

ـ [الجليس الصالح] ــــــــ [21 - Jan-2010, مساء 09:37] ـ

الضَّلَالُ بِمَعْنَى الذَّهَابِ عَنْ عِلْمِ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ الْمُطَابِقَةِ لِلْوَاقِعِ، وَمِنْهُ بِهَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [93\ 7] ، أَيْ: ذَاهِبًا عَمَّا تَعْلَمُهُ الْآنَ مِنَ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ الَّتِي لَا تُعْرَفُ إِلَّا بِالْوَحْيِ فَهَدَاكَ إِلَى تِلْكَ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ بِالْوَحْيِ، وَحَدَّدَ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى عَنْ أَوْلَادِ يَعْقُوبَ: قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ [12\ 95] ، أَيْ: ذَهَابُكَ عَنِ الْعِلْمِ بِحَقِيقَةِ أَمْرِ يُوسُفَ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ تَطْمَعُ فِي رُجُوعِهِ إِلَيْكَ ; وَذَلِكَ لَا طَمَعَ فِيهِ عَلَى أَظْهَرِ التَّفْسِيرَاتِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا [2\ 282] ، أَيْ: تَذْهَبُ عَنْ حَقِيقَةِ عِلْمِ الْمَشْهُودِ بِهِ بِنِسْيَانٍ أَوْ نَحْوِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى [2\ 282] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى [20\ 52] ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ الشَّاعِرِ:

وَتَظُنُّ سَلْمَى أَنَّنِي أَبْغِي بِهَا ... بَدَلًا أُرَاهَا فِي الضَّلَالِ تَهِيمُ

فَقَوْلُهُ «أُرَاهَا فِي الضَّلَالِ» : أَيْ: الذَّهَابِ عَنْ عَلَمِ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ حَيْثُ تَظُنُّنِي أَبْغِي بِهَا بَدَلًا، وَالْوَاقِعُ بِخِلَافِ ذَلِكَ.

(أضواء البيان 3/ 351)

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت