وخامسها: ليس الصحيحان خالصين للحديث الصحيح، بل مصادر الحديث الصحيح أعم.
وسادسها: ما اكتسب في الاصطلاح معنى الصحة في ذاته، أو كان صحيحًا أو حسنًا بتعاضد طرق ليس فيها كذاب: فحكم ذلك بضرورة العقل وجوب العلم والعمل، وما كان ضعيفًا لم تقم شواهد صحته أو بطلانه فحكمه التوقُّف، وما كان مكذوبًا أو موهومًا أو كان حكمه حكم المكذوب أو الموهوم لعلةٍ خافية بوجود مانع يرده فحكمه الترك، ومثال ذلك تعليل رسول الله صلى الله عليه وسلم صيامَه يوم الإثنين بعلتين إحداهما أنه يوم مولده وهذا في صحيح مسلم، وتعليله ذلك برفع الأعمال وذلك في صحيح البخاري .. وشرط البخاري في السماع أقوى ( [2] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn2 ) ) ، واقتران الخميس مع الإثنين في العلة مُرشِّح لها ــ والعلة سبب يرتِّب الله عليه الحكم، وأما تَعْدِيَتُها فأمر لا أستطيع بسطه الآن ــ، ولا مرشح للاعتداد بمولده عليه الصلاة والسلام في التشريع، وليس مأثورًا في الشرائع، فحديث مسلم معارَض بما هو أصح وأرجح، وقد طال الجدل في الرد على رواية مسلم.
وسابعها: أن خَبريْ اتباع سنة الخلفاء والشيخين رضي الله عنهم فوق ما ذكرته عن الحسن والصحيح بطرقه؛ بل هما في قمة الرجحان، وهما قاب قوسين أو أدنى من اليقين.
وثامنها: أن مدلولهما من أحكام القرآن الكريم، لأن القرآن أحال إلى مصادر كطاعة الرسول الله صلى الله عليه وسلم، والحكمين فيما هو معيَّن، وحكم ذوي عدلٍ مما نُصَّ عليه، وما نصبه الله كونًا أو شرعًا للصحة والفساد والسببيه، ومسؤوليه العقل والحس .. وهذان الخبران من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فطاعتهما واجبة بنص القرآن الكريم؛ فقد قال سبحانه:چ ? ? ? ? ? ? ہ ہہ ہ ھھ ھ ھ ے ے ? چ [الحشر: 7] ولأن ما جاء به صلى الله عليه وسلم من غير القرآن إذا لم يكن اجتهادًا منه بيَّن الله له الحكم فيه خلاف الاجتهاد كقصة الأعمى في سورة عبس: فهو وحي غير متلو، وقد قال سبحانه:چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ [النجم: 3 - 4] .
وتاسعها: أن ما سيأتون به شرع من الله وليس دينًا جديدًا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وصفهم بالرشد والهداية؛ فهذه ضمانة من الله شرعية بأن ما سيمضيه الله كونًا من سنتهم هو مقتضى رضاه الشرعي سبحانه.
وعاشرها: صح الخبر الشرعي أن الله ضمن كون سنتهم من شرع الله، وذلك في حديث حذيفة رضي الله عنه ــ وله شواهد من الشرع، والواقع التاريخي ــ؛ فقد وصف خلافتهم بأنها على منهاج النبوة، ثم بعدها المُلْك .. وبيَّن ذلك حديث سفينة (وهو حديث صحيح) : الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكًا .. وما وجدنا خلافة في هذه المدة لغيرهم، وهم من العشرة المشهود لهم بالجنة؛ فهم المعنيون لا غيرهم، وما كان على منهاج النبوة فهو شرع الله.
وحادي عشرها: أن سنتهم قد تمضي بموافقة الصحابة رضي الله عنهم ابتداء، وقد يكون خلافٌ ومشورةٌ ثم يعزم الخليفة الراشد على ما ارتاح له قلبه، فيكون إمضاؤه سنةً قائمةً.
وثاني عشرها: لم تكن سنتهم رضي الله عنهم على خلاف نص؛ وإنما على جَمْعٍ بين نصوص بنسخٍ، أو عموم وخصوص، أو إطلاق وتقييد، وإما اجتهاد في مسكوت عنه.
وثالث عشرها: ما سكت عنه الشرع المطهَّر مما سماه عفوًا رحمة بنا غير نسيان ليس على الإباحة كما ظن الإمام ابن حزم وغيره رحمهم الله تعالى، بل هو على مسؤولية العقل والحس؛ لأن العقل شرط التكليف، وهو المخاطب بالإيمان قبل إملاء الشريعة، والمسلم مطلوب منه أن يتصرف تصرُّف العقلاء؛ فالإباحة إباحة اجتهاد بالعقل والتجربة، وقوله صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بشؤون دنياكم) إحالة إلى علم دنيوي، والعلم الدنيوي يحصل بالعقل والحس البسيط والحس المكرر (التجربة) .. وقد يكون المسكوت عنه تعيين شيئ من أمر مشروع على العموم كالردع عن الأخطاء والجنايات فذلك مشروع بالإجمال، ومنه ما هو مشروع تعيينه بالاجتهاد البشري مع بقاء مشروعية الردع العامة؛ لأن الله وَزَعَ البشرية بالموعظة وبالسلطان، ومن هذا المشروع باجتهادنا البشري الذي أباحه الله لنا ما يَسنُّه أهل الإسلام من أنظمة لم يتعيَّن فيها الرادع شرعًا كغرامات الجزاء؛ ففيها غرامة مالية، أو توقيف، أو حبس،
(يُتْبَعُ)