فما فعله النبي صلى الله عليه وسلم عندما خرج من العريش الذي نصب له في غزوة بدر هو أن أخذ قبضة من التراب ثم رماها في وجوه المشركين كما جاء في السيرة فأوصلها الله تعالى إلى وجوههم، فما بقي منهم أحد إلا وقد أصاب وجهه وفمه وعينيه منها، فحينئذ انكسر حدهم وفتر زندهم وبان فيهم الفشل والضعف فانهزموا، يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: لست بقوتك حين رميت التراب أوصلته إلى أعينهم وإنما أوصلناه إليهم بقوتنا وقدرتنا. (ملخصًا من تفسير السعدي) . فمن الذي بارك في هذه الحفنة من التراب وأوصلها في عيون المشركين؟ هو الله تعالى، فالله دائمًا مع المؤمنين يسدد خطاهم ويؤازرهم ويقاتل عنهم
وهذه آية يجليها الله تعالى لعباده في كل عصرومصر حين يظن المشركون ومن شايعهم من منافقي هذه الأمة أنه لن تقوم لهذه الأمة قائمة كما قال تعالى عنهم في سورة الفتح: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} الفتح/6،
ـ
يقول الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره: أما المنافقون والمنافقات والمشركون والمشركات فإن الله يعذبهم بذلك ويريهم ما يسوؤهم حيث كان مقصودهم خذلان المؤمنين وظنوا بالله ظن السوء أنه لا ينصر دينه ولا يعلي كلمته وأن أهل الباطل ستكون لهم الدائرة على أهل الحق فأدار الله عليهم ظنهم وكانت دائرة السوء عليهم في الدنيا. انتهى بتصرف، فإذا بالنصر والعز يأت من عند الله وحده، كما كان يقول النبي صلى الله عليهم وسلم عند قفوله من غزواته ففي حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ثم يقول: لا اله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده"متفق عليه،
ـ
فلو كان هؤلاء الكفار والمنافقون المحاربون لدين الله يعقلون لآمنوا بالله رب العالمين لظهور هذه الآية جلية أمام أعينهم، فهذا الكيد العظيم والمكر الجبار بالإسلام وأهله مآله دائمًا إلى خسران واضمحلال، فمن كان يظن أن تصحو هذه الأمة وتنتشر الصحوة الإسلامية في بلاد المسلمين قاطبة حتى في بلاد الكفار، بعد هذه السنين العجاف الطويلة من البعد عن دين الله وإقصاء شريعة الله عن الحكم بها ومحاربة لكل مظهر من مظاهر الدين وخلو المساجد تقريبًا من المصلين في بعض بلاد المسلمين، ثم بعد ذلك كله فجأة يعود الدين من جديد في قلوب كثير من الناس، ويعود فئة من الشباب إلى دين الله ويترك الدنيا وزخرفها حتى في البلاد التي تحارب الدين والتدين، فما أن تُخفف قيود الظلم والاستبداد على الإسلام وأهله حتى يعود الناس إلى دين الله سريعًا، فهذه آية من آيات الله لو كانوا يعقلون، فيعودوا إلى رشدهم ويصبحوا من جند الرحمن بعد أن كانوا من جند الشيطان ولكنه العناد والاستكبار، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.