فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
: صاحب مذهب متبوع، وإمام جليل، له المسند الذي يقارب عشرة أضعاف البخاري، ومع ذلك لم ينل تلك المرتبة التي نالها البخاري، وقبله الإمام مالك: صاحب مذهب متبوع، ومن أوائل من دون في علم الحديث، وكتابه الموطأ لم ينل تلك المرتبة التي نالها البخاري، مع جلالة كتابيهما وجلالتهما.
فقبول البخاري وتصحيح ما فيه: مستند على تثبت مؤلفه في جمع الأحاديث الصحيحة، التي أجمع العلماء على صحتها، بعد أن فحصوها ولم يجدوا فيها إلا ما هو مقبول وحجة في الدين.
وعليه: فإن خبر عائشة وزواجها وهي صغيرة برسول الله صلى الله عليه وسلم، خبر صحيح غير قابل للتكذيب ولا للإنكار.
ولنتأمل ما نستفيده من قصة عائشة في مسألة زواج الصغيرات مستحضرين أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم خير هدي، و أن لنا العزة والفخار في التأسي به، خاصة في القضايا التي يكثف رفضها في ظل شيوع الأفكار الوافدة، فنقول وبالله التوفيق:
والدها رضي الله عنه كان جديرًا بالقيام بمصالح الأمة الإسلامية ورعايتها بعد وفاة رسولها صلى الله عليه وسلم، فهو من باب أولى حقيق برعاية مصلحة ابنته في أمر زواجها، وأي مصلحة أعظم من التي أسداها أبو بكر لابنته إذ يغرسها في بيت النبوة زوجة لسيد ولد آدم وخيرهم لأهله؟!
وهذا سر المسألة: فإن ولي الفتاة متى تحلى بالمسؤولية والأهلية في جلب مصلحتها، سهل ما بعد ذلك، من وقوع التزويج حيث تكون مؤهلة له، ومن وقوعها في كنف زوج كفؤ.
ومن تأمل في سيرة عائشة رضي الله عنها وجد أنها كانت مؤهلة لهذا الزواج على حداثة سنها لما توافر فيها من صفات: منها ذكاؤها، وقوة الشخصية، فلقد كانت تنتصف من ضراتها بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي يبتسم إذا رأى ذلك ويقول:"هذه ابنة أبي بكر"وكانت تجمع نساء النبي على الأمر وتقودهم فيه كما هو مبسوط في كتب السير.
ولو نظرنا لأثر هذه الزيجة المباركة في حياتها: وجدناها مع المصطفى في أمثال من حياتهما هي بحق نبراس لكل رائم للحياة الزوجية السعيدة، ولكل من تهفو نفسه لبيت مطمئن قد تحققت فيه المودة والسكن.
ولما رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم: تركها بعده كواحدة من أفضل النساء، ورائدة من رواد الإرث النبوي، محدثة ومفتية، يرجع لها الأكابر من صحابة رسول الله، وهكذا بعد رحيلها رضي الله عنها: رمزًا من رموز الإسلام، وعلمًا من أعلامه، حبها إيمان، وبغضها نفاق وكفر.
هكذا عاد عليها هذا الزواج الصالح، بكثير من المصالح، ولم يعد عليها وصف الصغر بأي ضرر، في ظل رعاية والد مسؤول وزوج كريم هما من خيرة الرجال وأتقاهم.
وفي هذه القصة: معتضد لكل والد يشعر بالمسؤولية تجاه ابنته، ويرقب مصلحتها ويتحراها، ولو بتزويجها وهي صغيرة.
أما من حاله أنه مفرط في حق ابنته، وغير مهتم بمصلحتها في دينها ودنياها، فهو غير جدير بمسؤوليته عليها، فضلًا عن أن يكون له مبرر في قصة عائشة كي يزوج ابنته طمعًا في مال، أو قصد إضرار لأمها، أو هزلًا وتساهلًا بأمر التزويج، دون مراعاة لأهليتها للزواج، أو أهلية من يزوجه بها.
فشتان بين تزويج يجعل الحياة حافلة بالإيجابية نحو الأسرة و المجتمع، ويصنع الرموز - كزواج عائشة - وبين زواج يضر بالفتاة، أو يكون سلبيًا في حياتها.
وقد ظن بعضهم أن علاج السلبية في أمر زواج الصغيرات يكون بتحديد سن قانونية، لا يكون النكاح قبلها نظامًا، وهذا حل ليس بسديد في رأيي، وليس متسقًا مع إرثنا الإسلامي وهويتنا الثقافية.
والحل المناسب يكون عبر مسارين:
الأول: تكثيف التوعية، وتنمية المسؤولية في قلوب الآباء، وفي الحديث أن الراعي مسؤول عن رعيته، وأن من غش رعيته لم يرح رائحة الجنة.
الثاني: إجرائي قانوني، بحيث تكون الزيجات التي أحد طرفيها صغيرًا بحاجة إلى اعتماد قضائي، والقاضي يتحقق من أهلية والد الفتاة، ويتحقق من مصلحة هذا التزويج، فإذا ثبت لديه أنه زواج مضر، وأن والد الفتاة لا يتمتع بالمسؤولية، فإنه ينزع منه الولاية ويسندها إلى من هو بعده، أو إلى القضاء إن لزم الأمر.
والله أعلم.