فهرس الكتاب

الصفحة 22888 من 28557

ولعلّ من أوضح الأمثلة على ذلك صفة الكلام التي يُثبتها أهل السنّة على حقيقتها، إلاّ أنّهم يضيفون إليها لفظًا ليُخرجها عن نطاق التصوّر، فيقولون عن كلام الباري سبحانه: (إنّه كلامٌ نفسيٌّ) ، والكلام يتنوّع تنوّعًا كبيرًا، من الكلام الذي نعرفه إلى كلام الحيوانات إلى كلام النائم إلى الكلام الموجود في الأشرطة الممغنطة (المضغوطة) وأجهزة الحاسب الآليّ، إلى غير ذلك من أنواع الكلام ... ومن هنا يُمكننا أن نقول إنّ ثمّةَ كلامًا لا نعرفه حقيقته صفة للمولى تبارك وتعالى، ولا يستنكر ذلك أحدٌ ...

أمّا الأوصاف التي يلجأ أهل السنّة إلى تأويلها وصرفها عن حقيقتها فذلك لأنّ حقائقها التي نعرفها لا تباين كبيرًا بينها، وبالتالي لا يُمكن صرف الخاطر عن تشبيه الله تعالى بالمخلوق عند إثباتها على حقيقتها، وتُدرك حقائقها، ويُمكن تصوّرها مباشرة عند التلفّظ بها، ولذلك فإنّ إثباتها على حقيقتها مفضٍ إلى تشبيه الله تعالى، فكان لا بدّ من تأويلها.

ثالثًا:

إنّ الألفاظ التي يُثبت أهل السنّة بها صفات لله تعالى تحتمل حقائقُها -في وجه من وجوه اللغة المتبادرة- معنىً يليق بالله تعالى، وأمّا الألفاظ التي تؤوّل فجميع حقائقها -المتبادرة- لا تليق بالله تبارك وتعالى، ولكن من حقائق بعضها غير المتبادرة ما يليق بالله تعالى، فكان تأويل أهل السنّة لهذه الألفاظ أنّهم صرفوها عن معناها المتبادر إلى معنى آخر تقبله اللغة ويحتمله السياق، ولا يمنع منه العقل ولا الشرع .. فأيّ مُشكلة في ذلك؟؟ ليس الموضوع تعطيلًا كما يُصوّر، بل هو صرف للفظ عن معناه الظاهر المتبادر لكونه لا يليق بالله سبحانه إلى معنى آخر مقبول عقلًا وشرعًا، وتحتمله اللغة العربيّة، إلاّ أنّه لا يُسمّى حقيقة في اللفظ، لكونه غير موضوع له، وإن استعمل فيه استعمالًا كثيرًا أو غالبًا فيكون صريحًا فيه إلاّ أنّه من قبيل المجاز ... فيسمّى الذهاب إليه واختياره تأويلًا.

رابعًا:

إنّ الأصل في صفات الله تعالى إمرارها كما جاءت، وإثباتها دون تأويل، ولكن هل كلّ ما أضيف إلى الله تعالى يُعدّ صفة له، إنّ الناظر في الإضافات يرى أنّ الألفاظ التي يُثبتها أهل السنّة على حقيقتها ثبت كونها صفات لغةً، أي: يوصف بها في أصل اللغة، بخلاف الألفاظ التي تُصرف عن ظاهرها، فإنّها في أصل اللغة لم تستعمل للوصف، كاليد، فيمكن أن يُقال: (فلانٌ عظيم) أو: (فلانٌ عليم) ، أو: (فلانٌ قديرٌ) ولا يُقال: (فلانٌ يدٌ) ، ولا يُقال أيضًا: (فلانٌ وجهٌ) وبالتالي: هذه الألفاظ ليست صفات في أصل اللغة، ولهذا جاز صرفها عن ظاهرها.

هذه أربعة أسباب اقتضت أن تؤوّل بعض الإضافات (التي سمّاها البعض صفات وما هي بصفات) وتُثبت صفات أخرى على حقائقها ...

نسأل الله أن يُعرّفنا به، بأن نُدرك عجزنا عن إدراك كنه ذاته أو صفاته ... فإنّ العجز عن الإدراك إدراك ...

والله تعالى أعلم.

وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت