فهرس الكتاب

الصفحة 22968 من 28557

أمّا جمع الأمّة بمن فيها من المنافقين وأهل الشرك والبدع الغليظة إضافة إلى زنادقة الفكر فهذا مخالف للشريعة التي أمرت بتنقية الصفوف من الدخل، قال تعالى: {مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران:179] ، وقال: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِين} [التوبة:47] ، وهذا في أحلك الظروف القتالية.

بل إنّ الوحدويين يغفلون عن حقيقة أشدّ مرارة، ألا وهي أنّ العدوّ الداخلي أثره أعظم من الخارجي، فالخارجي واضح تأخذ له أهبتك، أمّا الداخلي فهو يظهر لك الولاء في ساعة اليسر وفي ساعة العسر يستغل الفرصة للطعن في خاصرة الأمّة ومد العون لأعدائها، والشواهد التاريخية والمعاصرة تكفي من بصّره الله.

ولا يظن أحد أنّ أهل البدعة الغليظة والشركيات هم جزء من الأمّة المأمورة بالاعتصام ونبذ الفرقة، بل لا يصر أحد على بدعته إلاّ انسلّ قلبه وفارق أهل الحق وكادَهُم إذا استطاع إلى ذلك سبيلًا، وقد حكى الله عن المنافقين أنّهم {يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُون} [التوبة:56] ، فهم في الظاهر منا لكن في الباطن من غيرنا وإلى غيرنا.

وممّا يجب الإيمان به واليقين به أنّ التمسّك بمنهج السنة الذي كان عليه السلف الصالح عاقبته إلى خير وإن بدا للمرضى والمتسرعين غير ذلك، والله إنّما أمر الجماعة المؤمنة بالتمسك بالحق، وأمّا النصر فمن عند الله، وما يصيب المؤمن بسبب تمسكه بالحق فهو والله علامة الصدق والسلوك على الصراط فتلك سنة الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، فالبلاء لصيق الحق لا يفارقه في حل ولا ترحال.

ولو استمع الإمام محمد بن عبد الوهاب لمثل هذه الدعاوى الوحدوية لكانت الجزيرة العربية إلى الآن تزخر بالأوثان والطواغيت التي تُعبد من دون الله.

إنّ التفرق والافتراق سنة كونية ذكرها النّبيّ صلى الله عليه وسلّم، ولما ذكرها لم يعرج على ذكر الوحدة والائتلاف بين هذه الفرق مع أنّها كلّها من الأمّة، قال صلى الله عليه وسلّم:"تفرقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، واختلفت النّصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة"، وإنّما فهم الصحابة مباشرة أنّه يحث على التمسك بالحق والانتساب إلى الفرقة الناجية ومفارقة أصحاب النار فقالوا: من هي يارسول الله؟ فقال:"من كان على مثل أنا عليه وأصحابي".

قال العلاّمة الشّاطبيّ:"وأيضًا فإنّ فرقة النّجاة وهم أهل السّنة مأمورون بعداوة أهل البدع، والتّشريد بهم، والتّنكيل بمن انحاش إلى جهتهم". وقد حذّر العلماء من مصاحبتهم ومجالستهم .. وذلك مظنة إلقاء العداوة والبغضاء.

لكنّ الدّرك فيها على من تسبّب في الخروج عن الجماعة بما أحدثه من اتّباع غير سبيل المؤمنين، لا على التعادي مطلقًا، كيف ونحن مأمورون بمعاداتهم وهم مأمورون بموالاتنا والرّجوع إلى الجماعة؟" [الاعتصام 95] ."

إذن فالفرقة الحاصلة بسبب إنكار باطل المبتدع يُحمد فيها أهل السّنة، لأنّها حصلت لقيامهم بواجبهم، ويذمّ فيها المبتدع لأنّه خالف أمر الله، كما فرّق الإسلام بين النّاس سواءً بسواءٍ، فيحمد أهل الإسلام ويذمّ أهل الكفر، ومن قام بما أمره الله وفق شرعه وسنّة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فلا تثريب عليه فيما يحصل بسبب ذلك من الأمور والأحكام القدريّة، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.

وقد فهم السلف هذه الحقيقة فقاموا بالواجب عليهم في إنكار المنكر وتكلموا في الباطل وأهله حتى حصلت في بعض العصور فتن عظيمة، ولم يثرّب أحد من الأئمّة على أهل السنة إنكارهم على المبتدعة والمنافقين، بل كانوا يتعرضون للأذى العظيم، قال الحافظ محمد بن طاهر: سمعت أبا إسماعيل الأنّصاري يقول بـ"هراة":"عُرِضْتُ على السّيف خمس مرّات، لا يقال لي: ارجِع عن مذهبك، لكن يقال لي: أسكت عمن خالفك، فأقول: لا أسكت".

وآخر ما أختم به مقالي تذكير الوحدويين بأمر غفلوا عنه، إذ حتى لو تنازل أهل السنة وقبلوا السكوت عن المخالفين للشريعة المحكمة من رءوس أهل البدع الغليظة والمنافقين، فإنّ هذا لا يغني ولا يفضي إلى الوحدة إلاّ في فَهم من يكذّب بكتاب الله، فقد قال تعالى: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِين إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} [هود:119] ، وهذا الاختلاف الذي ذكره الله تعالى هو الاختلاف المذموم الذي يؤدي إلى الفرقة والتنازع، لأنّه استثنى أهل الرحمة، فالشاهد التاريخي إضافة إلى النص القرآني يدل على أنّ أصحاب المذاهب المخالفة للسنة مهما فعلت لا يجتمعون ولا يتّحدون إلاّ على هدف واحد ألا وهو حرب السنة وإسكات أصوات أهل السنة، فإن تم لهم ذلك رجعوا هم إلى الاختلاف والإفساد في الأرض، وما يحصل في بعض البلاد التي ضعف فيها أهل السنة شاهد على ذلك.

وخلاصة المقال: أنّ الذي أخذه الله على أهل العلم والشرع هو الدعوة إلى كتابه وسنة رسوله، إلى التوحيد وصدق المتابعة للنّبيّ صلى الله عليه وسلّم، ولا يضرهم - ولا أقول: لا يهمهم - بعد ذلك ما يصير في الأمّة بعد بذل الأسباب المشروعة، فالله لا يكلّف الأمة إلاّ وسعها، كما أنّه نهى عن تكلّف غير المشروع من أجل تحقيق أهداف مشروعة لأنّ هذا هو الذي نشأت بسببه البدع وانحرف الناس عن الدين الصحيح، بسبب التكلف وقد قال تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِين} [ص:86] قال ابن كثير رحمه الله:"يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: ما أسألكم على هذا البلاغ وهذا النصح أجرًا تعطونيه من عرض الحياة الدنيا {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} أي: وما أزيد على ما أرسلني الله به، ولا أبتغي زيادة عليه بل ما أمرت به أدّيته لا أزيد عليه ولا أنقص منه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت