فهرس الكتاب

الصفحة 23029 من 28557

وإزاء هذه الحملات المتتابعة للنيل من الإسلام نجد أنفسنا أمام إشكالية جدوى متابعة ما يسمى بالحوار الإسلامي - المسيحي الغربي في ظل مواقفَ لا تعكس حتى الآن سوى أعراضٍ واضحةٍ لنظرةٍ غير متسامحة مع الإسلام والمسلمين. ويكاد مشجب 11 سبتمبر الذي يعلّق الغرب عليه كل آلامه ومخاوفه ومصيدة مكائده قد أصبح - من حيث يدري أو لا يدري- قميص عثمان بامتياز.

إنني لست ضد استمرار الحوار الإسلامي- المسيحي شريطة إزالة اللبس العالق بهذا المصطلح، ويخطئ النجعة من يعتبر أن غاية هذا الحوار محاولة الطرفين جَسْرِ الهوّة العقدية بينهما، إذ كيف الوصول إلى ردم الهوة وما زال أحد طرفي الحوار لا يعترف بدين الآخر عقيدة سماوية منزلة على نبي مرسل؟

لقد (قطعت جهيزة قول كل خطيب) ، فالنص القرآني قد حسم - وفق تقرير قطعي الدلالة- الأمر بكل واقعيّة: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ .. } ; [البقرة آية: (120) ] ، ولا مِراء أنه من باب المماحكة العقلية الخوض في مسألة استعصت على عقول جهابذة العلماء من الطرفين لأكثر من 1400 سنة خَلَت، ومن المسلّم به أن (خلطة توفيقية) من العقائد الثلاث فيما يسمى (وحدة الأديان) هي قمة الزيف والدجل والمداهنة.

وقد آلمتني بحق قناعة ساذجة تستحوذ على أذهان البعض ممن يقومون باستقبال بعض المحاضرين والأساتذة الأكاديميين المتخصصين بالدراسات الإسلامية، ذلك أن ضيق أفقهم وعدم فهمهم لطبيعة مناهج التفكير الغربية، تدعوهم للاعتقاد أن هؤلاء القوم قد غدوا قاب قوسين أو أدنى من عتبة الإسلام، وتمضي الأيام وهؤلاء البسطاء يترقبون الفوز بحُمُر النَعم. ولا أريد أن أتألى على الله في القطع بعدم إمكان هدايتهم لكنني أرى أن لا أكون خِبًا شريطة أن لا أدع الخِبّ يخدعني.

ووفقًا لذلك فإن الحوار الإسلامي - المسيحي المطلوب والذي ندعو إليه هو حوار (سياسي) بامتياز، الغاية منه التفاهم المتبادل حول قضية (العيش المشترك) وفق مبادئ وأسس تراعي حقوق المواطنة ولا تلغي (الآخر) ، ولخلق مناخ مؤيد لقضايانا العادلة في الشارع الأوروبي، ولاستحداث لوبي ضاغط في مراكز صنع القرار في المؤسسات السياسية الغربية. إن ممارسة هذا الدور السياسي ليست مجافيةً للسياسة التي اتبعها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل الكتاب، بدءًا بعهده المكتوب مع يهود المدينة ومرورًا بأسلوب الاستقبال الدبلوماسي المتميز والحكيم لوفد نصارى نجران، وصولًا إلى مضمون العهدة العمرية بين نصارى بيت المقدس وسيدنا عمر الفاروق، وانتهاء بالمعاهدات التي حررها مختلف الخلفاء الأمويين والعباسيين ومن تلاهم مع أهل البلاد المفتوحة.

إن المرشحين لقيادة هكذا تفاوض وحوار إذن لا بد لهم من أن يتحلوا بكثير من الثقافة السياسية إلى جانب تمكنهم من الفهم العميق للثوابت التي لا تقبل المهادنة والمداهنة بذريعة طمأنة الجانب الآخر على حسن النوايا وسلامة الطويّة، فقد يتحول الأمر برمته إلى استخزاء وضعف غير مبرر يُفقد المفاوض قوته ويوحي بهشاشة موقفه ويؤدي إلى زعزعة ثقة الشارع به فيفقده مصداقيته ويسحب الاعتراف به كممثل شرعي له. وهذه عين الإشكالية التي تمخّضت عن تصريح سماحة المفتي العام للجمهورية العربية السورية الدكتور أحمد بدر الدين حسّون أمام وفد أمريكي من جامعة جورج ميسن ( George Mason University) يرأسه الحاخام مارك غوبن ( Marc Gopin) رئيس المركز العالمي للأديان والدبلوماسية وفض النزاعات بواشنطن حين قال:"لو أن محمدا صلى الله عليه وسلم طلب مني أن أكفر بالمسيحية واليهودية لكفرت به"، فرغم أن قواعد العربية تؤكّد أن (لو) حرف امتناع لامتناع، إلا أنّ هفوة سماحة المفتي من الناحية السياسية وعبارته المفرطة في إظهار الود والتسامح عرضته لحملة من الانتقاد في الشارع الإسلامي والعربي والسوري، فنالت منه الأقلام والمنابر على حد سواء.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت