فهرس الكتاب

الصفحة 23177 من 28557

وبناء على هذه القاعدة العظيمة؛ يمكن أن نثبت لله كل ما ورد به الكتاب العزيز من صفات الاستواء والمجيء والإتيان يوم القيامة والتكليم والنداء والمناجاة بأصوات مسموعة وحروف مفهومة. والرحمة والحكمة. والرضى والغضب. والمحبة والكراهة. واليدين والعينين والوجه أو غيرها، وكذلك نثبت له ما وردت به السنة الصحيحة من صفات النزول إلى سماء الدنيا كل ليلة. والدنو من الحجاج عشية عرفة. والفرح بتوبة عبده حين يتوب والضحك وغيرها. ما دمنا نعتقد أن كل ما ثبت لله من هذه الصفات هو غير ما ثبت منها للمخلوقين.

ثالثًا: أن كل ما ثبت لله من الصفات الوجودية فهو ثابت له على جهة الكمال المطلق الذي هو أقصى ما يمكن من الأكملية، بحيث لا يكون وراءه كمال آخر ولا يمكن أن يعرض لها النقص بوجه من الوجوه فهو سبحانه له المثل الأعلى في كل ما ثبت له من الأسماء والصفات، ولا يمكن أن يكون هذا المثل لأحد سواه. فصفاته وجدت كاملة من الأزل إلى الأبد، لم تكن ناقصة ثم كملت كما هو الحال في صفات غيره. ولا يمكن أن يطرأ عليها النقص الذي قد يطرأ على صفات المخلوقين. فحياته سبحانه أكمل حياة لأنها من لوازم ذاته، فهي أقدم حياة وأدوم حياة وأقوى حياة. ولا يمكن أن تسبق بموت ولا أن يلحقها موت، قال تعالى: {وتوكل على الحي الذي لا يموت} .

وفي الحديث: (أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا تموت والجن والإنس يموتون) .

وكذلك كل ما تستلزمه هذه الحياة الكاملة من الصفات هو ثابت على أكمل وجه وأتمه. فقدرته أكمل قدرة لا يعجزه شيء ولا يصيبه لغوب أو إعياء، وعلمه أوسع علم وأشمله، فهو محيط بجميع المعلومات لا يمكن أن يند عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.

وإرادته أتم إرادة فلا يقع في ملكه إلا ما يريد، وسمعه وسع الأصوات كلها مهما خفتت فهو يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء. قال تعالى: وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى وبصره أكمل الأبصار رؤية، فلا تغيب عنه ذرة مهما دقت، ولا يؤثر فيه بُعد ولا يحجبه جدران ولا أستار قال تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} ، وكلامه أتم كلام وأبلغه، فلا يمكن أن يكون في كلامه خفاء أو قصور. قال تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم} ، وهكذا الحال في جميع الصفات، لا يجوز أن تثبت له إلا على هذا الوجه من الكمال.

وأما ما نفاه الله عز وجل عن نفسه أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم من النقائص والعيوب، فإن هذا النفي بمجرده ليس كمالا، إذ الكمال لا يكون إلا أمرًا موجودًا، وأما الأمور السلبية أو العدمية فلا تكون كمالا إلا إذا تضمنت أمرًا وجوديًا. ولهذا لم يرد في الكتاب ولا في السنة نفي نقص عن الله عز وجل إلا ويراد به إثبات ما يضاد ذلك النقص من صفات الكمال. فنفي العجز في قوله تعالى: {وما كان الله ليعجزه من شيء} ، إنما هو لإثبات كمال قدرته، ونفي السِّنة والنوم في قوله: {لا تأخذه سنة ولا نوم} ، إنما يراد به إثبات كمال حياته وقيوميته. ونفي الظلم في قوله: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة} ، إنما هو لإثبات كمال عدله وحكمته. وهكذا في بقية الصفات.

ولهذا أيضًا لم يرد النفي في الكتاب ولا في السنة إلا مجملا في أغلب أحواله، كما في قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} ، {هل تعلم له سميا} ، {ولم يكن له كفوا أحد} .

وأما صفات الإثبات فيكثر ورودها على جهة الاستيعاب والتفصيل.

رابعًا: أن صفات الله تعالى نوعان:

أ) أحدهما صفات ذات: وهي التي تكون لازمة لذاته لا تنفك الذات عنها أزلا وأبدا، ولا يتعلق شيء منها بمشيئته وقدرته. وذلك مثل صفات الحياة والعلم والقدرة والعزة والكبرياء والملك والمجد والعظمة والقوة ونحوها.

ب) وثانيهما صفات أفعال: لا تكون لازمة لذاته بل يجوز خلو الذات عنها، وتتعلق بها مشيئته وقدرته، فهو يحدثها سبحانه في ذاته شيئًا بعد شيء حسب اقتضاء حكمته، ولكن ليس لما يحدث منها في ذاته ابتداء بل تصدر أفرادها على التعاقب في الوجود متسلسلة شيئًا بعد شيء دون أن تنتهي السلسلة، لا في جانب الأزل، إذ لا ابتداء لها، ولا في جانب الأبد حيث لا انتهاء لها. قال تعالى: {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله} .

ولنضرب لذلك مثلا بصفة الكلام، فإن الكلام منه صفة ذات وهو: قدرته تعالى على أن يتكلم متى شاء وكيف شاء، ولكن صدور الكلام منه بالفعل لا يكون إلا حادثًا بمشيئته وقدرته. إذ لا يعقل أن يكون كلم موسى في الأزل وقال له {إني أنا ربك فاخلع نعليك} ، بل كلمه حين جاء الميقات كما قال تعالى: {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه} .

وكذلك صفة الإرادة، لا يعقل أن يكون أراد الأشياء كلها في الأزل وإلا لوجدت كلها في الأزل، بل كل مراد من المرادات إنما يقع بإرادة جزئية خاصة به كما قال تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} ، وهكذا في جميع صفات الأفعال لا توجد أفرادها مجتمعة في الأزل بل لا توجد إلا على التعاقب فيمالا يزال. وهذا البحث مبسوط في كتابي"ابن تيمية السلفي"وفي كثير من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فليرجع إليه من شاء.

أسأل الله أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

الكاتب: محمد خليل هرَّاس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت