فهرس الكتاب

الصفحة 23189 من 28557

المنكرين لبدعة المولد والمؤيدين لها، فقد قال الشيخ ظهير الدين جعفر التِّزْمَنْتِي (المتوفى سنة 628هـ) مبينا حكم المولد:"هذا الفعل لم يقع في الصدر الأول من السلف الصالح، مع تعظيمهم، وحبهم له ــ أي: للنبي صلى الله عليه وسلم ــ إعظاما ومحبة لا يبلغ جمعُنا الواحدَ منهم، ولا ذرة منه". نقلا من كتاب"الحكم الحق في الاحتفال بمولد سيد الخلق صلى الله عليه وسلم" (ص27) لشيخنا علي بن حسن الحلبي حفظه الله.

بل الحقيقة أن التاريخ أكبر شاهد على أن هذه البدعة إنما أحدثت في أواخر القرن الهجري الرابع!! بعد أن قامت الدولة العبيدية الفاطمية الباطنية، المنتسبة زورا وبهتانا إلى فاطمة رضي الله عنه؛ فقد قال تقي الدين المقريزي: في"المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" (1/ 490) تحت عنوان (ذكر الأيام التي كان الخلفاء الفاطميون يتخذونها أعيادًا ومواسم تتسع بها أحوال الرعية وتكثُرُ نعمُهم) :"كان للخلفاء الفاطميين في طول السنة أعياد ومواسم؛ وهي: موسم رأس السنة (!!) ، وموسم أول العام، ويوم عاشوراء، ومولد النبي صلى الله عليه وسلم ".

وقال مفتي الديار المصرية سابقًا الشيخ العلامة محمد بخيت المطيعي: في كتابه"أحسن الكلام فيما يتعلق بالسُّنّة والبدعة من الأحكام" (ص44) :"مما أحدث، وكثر السؤال عنه: (الموالد) : فنقول: إن أول من أحدثها بالقاهرة الخلفاء الفاطميون، وأولهم المعز لدين الله ".

وقال الشيخ علي محفوظ: ــ وهو من كبار علماء مصر ــ في كتابه"الإبداع في مضار الابتداع" (ص231) :"قيل: أول من أحدثها ــ أي الموالد ــ بالقاهرة الخلفاء الفاطميون في القرن الرابع، فابتدعوا ستة موالد: المولد النبوي، ومولد الإمام علي رضي الله عنه، ومولد السيدة فاطمة الزهراء ل، ومولد الحسن والحسين ب، ومولد الخليفة الحاضر، وبقيت هذه الموالد على رسومها إلى أن أبطلها الأفضل ابن أمير الجيوش، ثم أعيدت في خلافة الآمر بأحكام الله في سنة أربع وعشرين وخمسمائة بعدما كاد الناس ينسونها، وأول من أحدث المولد النبوي بمدينة إربل الملك المظفر أبو سعيد في القرن السابع (!!) ، وقد استمر العمل بالموالد إلى يومنا هذا، وتوسع الناس فيها، وابتدعوا بكل ما تهواه أنفسهم، وتوحيه إليهم شياطين الإنس والجن". قلت: من النفحات الشيعية الخطيرة التي سَرَت فينا معاشر أهل السنة: تخصيص الخليفة الراشد علي بن أبي طالب بوصف (الإمام) ، دون بقية سابقيه من الخلفاء الراشدين؛ وهم بلا شك أحق منه وأجدر بهذا الوصف. وكذلك وصف فاطمة ل بـ (الزهراء) (!!) ؛ وهو مما لم يثبت مبنًى ولا معنًى .... والله المستعان.

ومن المغالطات في هذا الباب ــ والمغالطات جمّة!! ــ أن المُبتلينَ بإحياء مناسبة ذكرى المولد النبوي بلغوا مبلغا عظيما في الإساءة لإخوانهم المنكرين لهذه المناسبة؛ فوصفوهم بكُرْهِ الرسول صلى الله عليه وسلم، وعدم محبته، والحقيقة أن المعيار الذي يُعرف به المحب للرسول صلى الله عليه وسلم ليس الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم، وما أشبهه من المناسبات، وإنما تكمن محبته صلى الله عليه وسلم: بتصديقه فيما أخبر، وطاعته بما أمر، والانتهاء عما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم؛ وهذا هو عين الحب والإجلال للنبي ج الذي ينال بسببه العبدُ محبةَ ربه سبحانه وتعالى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران:31)

، ولله درُّ الشاعر إذ يقول: تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبك صادقًا لأطعته إنَّ المحب لمن يحب مطيع ومن المغالطات أيضا في هذا الصدد اعتماد المحتفلين بذكرى المولد النبوي على اليوم الثاني عشر من ربيع الأول معتبرينه اليومَ الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم، والحقيقة التي ينبغي أن تشاعَ وتذاعَ أن العلماء مختلفين اختلافا قويا في تحديد تاريخ ولادته صلى الله عليه وسلم متى كان، مع اتفاقهم وإجماعهم على أنه ولد يوم الإثنين، وللعلماء في ذلك أقوال: فقيل: لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، قاله ابن عبد البر في"الاستيعاب"، وقيل: لثمان خلون منه، حكاه الحُميدي عن ابن حزم، وقيل: لعشر خلون منه، نقله ابن دحية في كتابه

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت