فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ولذلك أيها الإخوة لابد ان يعلم أنه: خلال القرنين الأولين ابتداءً من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين حتى وفاة الحسن البصري، لم تُعرف الصوفية سواء كان باسمها أو برسمها وسلوكها، بل كانت التسمية الجامعة للناس: المسلمين أو المؤمنين.
لم يعرف ذلك العهد هذا الغلو العملي التعبُّدي أو العلمي الاعتقادي إلا بعض النزعات الفردية نحو التشديد على النفس والذي نهاهم عنه النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من مناسبة، ومنها قوله للرهط الذين سألوا عن عبادته صلى الله عليه وسلم:"لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني".
وقوله صلى الله عليه وسلم للحولاء بنت نويت التي طوَّقت نفسها بحبل حتى لا تنام عن قيام الليل كما في حديث عائشة رضي الله عنها: (عليكم من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يملّ حتى تملوا، وأحبُّ العمل إلى الله أدْوَمُه وإن قل) .
ـ هكذا أيها الأحبة: كان عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم على هذا المنهج يسيرون، يجمعون بين العلم والعمل، والعبادة والسعي على النفس والعيال، وبين العبادة والجهاد، والتصدي للبدع والأهواء مثلما تصدى ابن مسعود رضي الله عنه لبدعة الذكر الجماعي بمسجد الكوفة وقضى عليها، وتصدِّيه لأصحاب معضّد بن يزيد العجلي لما اتخذوا دورًا خاصة للعبادة في بعض الجبال وردهم عن ذلك.
أخوتي في الله: لقد تنازع العلماء في نسبة اشتقاق كلمة الصوفية على أقوال كثيرة أشهرها:
ما رجَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن خلدون وطائفة كبيرة من العلماء من أنها نسبة إلى الصُّوف حيث كان شعار رهبان أهل الكتاب الذين تأثر بهم الأوائل من الصوفية، وبالتالي فقد أبطلوا كل الاستدلالات والاشتقاقات الأخرى على مقتضى قواعد اللغة العربية، مما يبطل محاولة نسبة الصوفية أنفسهم لأهل الصُّفَّة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو محاولة نسبة الصوفية أنفسهم إلى علي بن أبي طالب والحسن البصري وسفيان الثوري رضي الله عنهم جميعًا، وهي نسبة تفتقر إلى الدليل ويعوزها الحجة والبرهان.
قال محمد أبو الوفا شيخ الطرق الصوفية: (( على أن كلمة التصوف - وان كانت من الكلمات الشائعة - الا انها في نفس الوقت من الكلمات الغامضة التي تتعدد مفهوماتها وتتباين احيانا. والسبب في ذلك ان التصوف حظ مشترك بين ديانات وفلسفات وحضارات متباينة في عصور مختلفة، ومن الطبيعي أن يعبر كل صوفي عن تجربته في اطار ما يسوده محتمعه من عقائد وافكار، ويخضع تعبيره عنها أيضا لما يسود حضارة عصره من اضمحلال وازدهار ) )
أيها الإخوة في الله: الصوفية تعتمد في مصادر التلقي على:
1ـ الكشف: حيث يعد مصدرًا وثيقًا للعلوم والمعارف، وهم يعنون بذلك أنهم يأخذون عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة يقظةً أو منامًا.
ويعتقدون أنهم يأخذون عن الخضر عليه الصلاة السلام: حيث كثرت حكايتهم عن لقياه، والأخذ عنه أحكامًا شرعية وعلومًا دينية، وكذلك الأوراد، والأذكار والمناقب.
2ـ الإلهام: سواء كان من الله تعالى مباشرة، وبه جعلوا مقام الصوفي فوق مقام النبي حيث يعتقدون أن الولي يأخذ العلم مباشرة عن الله تعالى والنبي أو الرسول يأخذه من الملك.
3ـ الفراسة: التي تختص بمعرفة خواطر النفوس وأحاديثها.
4ـ الهواتف: من سماع الخطاب من الله تعالى، أو من الملائكة، أو الجن الصالح، أو من أحد الأولياء أو الخضر، أو إبليس، سواء كان منامًا أو يقظةً أو في حالة بينهما بواسطة الأذن.
5ـ الإسراءات والمعاريج: ويقصدون بها عروج روح الولي إلى العالم العلوي، وجولاتها هناك، والإتيان منها بشتى العلوم والأسرار.
6ـ الكشف الحسي: بالكشف عن حقائق الوجود بارتفاع الحجب الحسية عن عين القلب وعين البصر.
7 ـ الرؤى والمنامات: وتعتبر من أكثر المصادر اعتمادًا عليها حيث يزعمون أنهم يتلقَّون فيها عن الله تعالى، أو عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن أحد شيوخهم لمعرفة الأحكام الشرعية.
8 -الذوق: وله إطلاقان:
1 ـ الذوق العام الذي ينظم جميع الأحوال والمقامات، ويرى الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال إمكان السالك أن يتذوَّق حقيقة النبوة، وأن يدرك خاصيتها بالمنازلة.
2ـ أما الذوق الخاص فتتفاوت درجاته بينهم حيث يبدأ بالذوق ثم الشرب.
(يُتْبَعُ)