فهرس الكتاب

الصفحة 23370 من 28557

كم مضى لنا يا أيها العلماء الأفاضل والدعاة الكرام على أحداث التفجير والتكفير التي عانى منها البلد؟ أولسنا نعيش إلى الآن تضاعيف تلك الأحداث، ألسنا نرى شبابا صغارا ذهبوا ضحية فتوى من شيخ ندم عليها أشد الندم؟ ألم نرى تلك الأشلاء والدماء والملاحقات والتخفيات والاستعداءات والتخطيط؟ ألم نفكر لحظة مالذي أوصل شبابنا إلى تلك المراحل المتطرفة؟ ألم نفكر هل لما نقدم أثرًا على تصرفات أولئك الشباب؟ ألا نعي أن الشاب حين يقرأ فتوى لعالم من العلماء حتى لو كانت من قبيل الحق المحض فإن فهمه لها، وتصوره لمراد العالم يختلف عن رؤية العالم نفسه؟!

أسألكم بالله .. حين وقعتم بيان النصرة للشيخ البراك الذي لا نقر أي أحد من البشر أن يتعدى عليه لعلمه وسنه وسابقته وفضله هل منكم تفكر في المسألة؟ من منكم راجع كلام الإمام العامري ليتأكد من صحة سياقه؟ من منكم قرأ البيان مرة أو مرتين أوثلاثة قبل أن يوقع عليه؟ من منكم تفكر في المسألة ليس من بابها الفقهي التأصيلي، بل من بابها المصلحي الكلي؟ مع علم الجميع ان نصرة العالم لا يعني موافقته على رأيه، وخاصة أن الشيخ حفظه الله حين عرضت عليه بعض الإشكالات على فتواه أبان عن تفصيل ورأي آخر غير ما تبادر إلى الناس في بادئ الأمر.

إننا كلنا حكامًا ومحكومين ضد الفساد والإفساد وتغيير هوية المجتمع، وضد إفساد المرأة وتغريبها، وضد الأخلال بالمنهج الشرعي والقيمي الذي يميز هذه البلاد عن غيرها والتي قامت منذ نشأتها على هذا الأصل الأصيل الذي سوف يجعلها بعون الله شامخة على البلاد، ولكن معالجة هذا لا يكون على حساب ترويج الفتاوى التي تكون نتائجها أن يتلقفها الشباب بلا وعي، ويبنون عليها جبالًا من المعاني، فيشط بهم الطريق، ويقعون في مزالق التكفير واستباحة الدماء، فإن التجربة التاريخية تدل على خطورة هذا المسلك، ومن لا يقرأ التاريخ ويتذكر باستمرار ما جرى فيه لا يستطيع أن يتلمس النهج الراشد في التعامل مع الواقع واستشراف المستقبل، كيف لا والسجون الآن مليئة بالشباب الذين يحملون فكر"التكفير"، ويعاني كثير من الفضلاء في محاولة إقناعهم في ترك الأفكار، وخاصة أن هناك كثيرا من الوسائل العملية والشرعية السليمة التي توصل الرأي في كل تغيرات الواقع بلا حاجة إلى الأحكام الصارمة التي تقضي على كل رأي آخر، وترهبه أن ينطق بما يخالف، حتى تضطرم في نفوس الكثير ممن لا يوافقون هذا النهج على أعلان الخصام، وزيادة الهوة بين الصلحاء، وكل هذا ينعكس على البلد واستقراره وأمنه وأيمانه.

أنظروا أيها المشائخ الفضلاء ما يجري في مواقع النت مثلا، والتي تمثل صورة قريبة للواقع لهؤلاء الشباب، أنظروا كيف يتلقفون هذه الفتاوى وينزلونها على غير مراد أهلها منها، وكيف ينزلون على مخالفيهم تكفيرًا وتبديعًا وتفسيقًا وحكمًا بالنفاق، وبدلًا من أن تكون هذه الفتاوى سبيلًا للإصلاح تصبح سبيلًا لمزيد من الجنوح والشطط ..

إنكم بهذا تصلون بالأمر إلى أقصاه، فإن وصل الأمر إلى الحكم بالتكفير فماذا يبقى بعده؟ فإن رأى الحاكمُ تَجَاوُزُ هذا القول باعتبار وجود قول مخالف له فهل ستطردون هذا الحكم على الواقع، وهل سيفهم الشباب تحرزات أهل العلم وقضايا الشروط والموانع؟ ألم يستخدم (تنظيم القاعدة) فتاوى لعلماء فضلا في تبرير ما قامت به، وخاصة حين يكون هناك"إجمال"في مواضع تحتاج إلى تفصيل، وإطلاقات تحتاج إلى تقييد، وكما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (لئن تحدث الناس بالحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) ، وكان الإمام الحسن رحمه الله قد استاء من تحديث الحجاج بن يوسف بحديث قتل العرنيين، لأنه يرى أن هذا مما يعينه على بغيه، فهذه الفتاوى إنما تشحذ همم الشباب للمزيد من الجنوح، ثم يعيش العلماء فترة محاولين ترقيع ما فهمه الشباب من أقوالهم وفتاويهم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت