فهرس الكتاب

الصفحة 23374 من 28557

بل لقائل أن يقول -وحُقَّ له- إن ترك المشايخ لإصدار مثل هذا البيان هو الذي يدعو إلى ما ذكرته من الاحتقان والافتئات بتصرفات قد ينجم عنها التفجير والتكفير دون مراعاة للعلماء، وذلك أن الشباب إذا رأوا الباطل لا يبيَّن بطلانه، فربما وسوس لهم الشيطان فساء ظنهم بالعلماء، أو جهلوهم، فإذا علموا أن العلماء يعرفون الحق، ويصدعون ببيانه، ثم هم فوق ذلك يقدرون الحدود التي يقفون عندها علموا أن ما عندهم لم يغب على علمائهم، ووعوا بالبيان العملي أن مدارك الأشياخ تنظر إلى مآلات أبعد، بخلاف ما إذا سكت المشايخ عن بيان الحق فهذا أدعى لتهمتهم ومن ثم ترك الاعتبار بمواقفهم، وعندها يشرع الباب للتكفير والتفجير وكل ما تحذر.

على أن التكفير وهو مما أراك أُخيَّ قد أجلبت على الفتوى به، وكأنك تراها ذريعة له محرمة بإطلاق لا قيد فيه! فإن كنت تقصد التكفير المحرم، فالفتوى منضبطة لا تساعد مدعيه، فهي تتحدث عن مستحل محرمات معلومة الحرمة من الدين بالضرورة والمتمثلة في الاختلاط المستغرب الذي يتضمن تبرجًا ويقتضي خلوة، وكذلك بيان الموافقة بيَّن هذا بجلاء، وإن كنت تعني أنها ذريعة للتكفير الشرعي بحق فلتكن! واربأ بنفسك أن تنفر من حكم شرعي لشناعة شنعها العلمانييون أو أضرابهم.

واعلم أن هؤلاء العلمانيون أذكياء يعرف أكثرهم الحق وهم له كارهون، لم يؤتوا من قبل بلاهة ولا سذاجة، لكن من يرد الله فتنته لن يطهر قلبه للتقوى ولن تملك له من الله شيئًا! وقد رأيناهم في كثير من بلاد الله يشغبون على مثل هذه الفتاوى فإن ل يجدوا معارضًا نقبوا في كتب الأئمة فإن ضعفت المعارضة تعرضوا لصريح النصوص الصحيحة، وربما القرآن إما مستترين بدعاوى أو مسفرين عن وجههم الكالح وأهل السفور قلة لأن أكثرهم يسلك ما يخدم هدفه وإبداء الوجه الكالح لا يخدمه حتى في الغرب، فإذا دافعهم بعض الناصحين بما يستوجب أثرًا قد يكفهم، حركوا الإعلام المحلي والعالمي لينصرهم خشية أن يتأثر ولي الأمر تأثرًا إيجابيًا أو يستمع للناصحين، فهم بهذا اللغو والتشنيع يحاولون الحيلولة دون انتفاع الولاة، فصاحب المدرك الواعي يسعى لإفهام ولاة الأمر وإبطال مراد العلمانيين بتلك الحملات التشغيبية، وكثير ممن لم يرسخ يكون عونًا لهم في صد الولاة والأمراء عن معرفة الحق والاستماع له إما بدفع منهم، أو لجرأته على الافتئات والتعقيب على الراسخين دون تبصر أو تبحر في العلم بالشرع وبالواقع وطرائق العلمانيين فيه عبر التاريخ المعاصر في كثير من البلاد.

وبهذه المناسبة فإني أقول علمانيو هذه البلاد فيهم دهاةٌ، ووصفك لثلة بأنهم لم يعرفوا الإسلام ولا اللبرالية دعوى منك لا يقبلونها ولا نقبلها في شخصيات منهم، (بل أكثرهم للحق كارهون) ، وهم عارفون، وربما كانوا ببعضه جاهلين لأنهم عنه معرضون، فليست القضية قضية بيان لجاهل مقبل لكن لمصر معرض! أما كونهم لا يعلنون عن التزام سائر مبادئ اللبرالية، ولا يقولون بالتزام كل تفاصيل النهج اللبرالي الغربي، فقد نص بعضهم على أن ذلك إنما هو لأن المرحلة تقتضي ذلك، ومرادهم من المدارة التشويش على بعض السذج فيجبنوا عن وصمهم بما يستحقون هذا من جهة، ولئلا تطالهم يد السلطة من جهة ثانية، وهم يعدون نفاقهم في تكييف لبراليتهم حكمة وتؤدة وسير نحو الأهداف بتعقل، وكل ذلك يكفل لهم التغرير ببعض الإسلاميين أربأ بمثلك أن يكون منهم.

أخي الحبيب بدر إن تربص الأعداء لا يغير الحكم الشرعي على الأشياء! وبيان الحكم الشرعي لا يعني أننا لا يمكن أن نتعاطى مع المسائل الحادثة إلاّ بالردع والحكم بالكفر والفسق ... إلخ! بل البيان واجب والتعاطي بكافة السبل المشروعة لازم، والرد على من زعم أننا لا يمكن أن نتعامل إلاّ بما ذكرت بأن نبين السبل الأخرى ونسلكها عمليًا -وكثير من ذلك حاصل- لا أن نترك بيان الحق! فهذه دعوة إلى التقصير لا إلى الفاعلية وسلوك السبل المرضية!

وأخيرًا أيها الفاضل موضوع جانبي أشرت إليه أحببت التعرض له بإشارة تكفي مثلك إن شاء الله، ألا وهي حصرك لأسباب التفجيرات في فتوى شيخ يدل على عدم إدراك لأسبابها الفعلية أو تجاهل له، وإني لأعلم أن كثيرًا من المفجرين الذين نوصحوا لا يعلمون بالفتوى التي تشير إليها! وقد حصلت التفجيرات في بلاد المسلمين قبل ربع قرن من صدروها ولم تزل تتوالى، فتأمل وتفكر فيما يستدعي التفجيرات في بلدان المسلمين بتريث، دفع الله عن المسلمين شرها، وأعاذك من أن تكون وقودًا لها أو مع من يبذرون بذرها.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت