وقد كانت كثير من الزوايا الصوفية تقوم مقام المراكز الاستخبارية للدول المستعمرة؛ فقد كانت زاوية (مستغانم) أعظم مراكز الاستخبارات الفرنسية بالنسبة للمغرب.
وكان فقراؤها (أي: مريدوها) العليويون من أمهر الجواسيس العاملين لحساب السياسة الفرنسية [18] .
وحسبنا أن نعرف أن أبا حمارة [19] صاحب الثورة في تاريخ المغرب الحديث في العقد الثالث من القرن الرابع عشر الهجري والذي دوخ حكام المغرب، وانتصر على الجيش السلطاني في كثير من المواقع، وعجز قواده عن إلحاق الهزيمة به، ودامت ثورته المحمومة سبعة أعوام، كان واحدًا من هؤلاء المتصوفة الذين عملوا لحساب الاستخبارات الفرنسية [20] .
وقد أقام أبو حمارة دولة في المناطق التي استولى عليها، وعين وزيرًا لخارجيته أحد الجواسيس العاملين لحساب فرنسا، وهوعبد القادر التلمساني، وعين ضابطًا فرنسيًا من أصل جزائري وزيرًا للحرب، أما كابرييل ديلبريل [21] الجاسوس الفرنسي، فقد عينه رئيسًا لأركان الحرب، ومديرًا للعلاقات العمومية.
وهكذا كانت كثير من الطرق الصوفية طابورًا خامسًا، تعمل مع أعداء الإسلام جنبًا إلى جنب، للقضاء على حركات الجهاد والمقاومة التي اندلعت ضدهم، ورضي زعماؤها أن يكونوا عملاء للمستعمرين، خائنين لأمتهم ولأوطا نهم.
وعلى العموم، فكل الصوفية بكل طوائفها وطرقها، لم تكن هي القادرة على الدفاع عن الأمة، أو الذود عن حياضها، وكانت بحق كالسرطان المستشري في جسم الأمة، الذي أصيب بالضعف والهزال بسببها، فكان الوقوف للاستعمار ودحره في تلك الحالة، أمرًا يعد من المستحيل.
هذه بعض اللمحات عن الصوفية وموقفها من الجهاد ومقاومة المستعمرين، فنسأل الله أن يعيد للأمة سالف عزها ومجدها.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه.
للتوسع أنظر كتاب: (الإنحرافات العلمية والعقدية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين)
[1] وذلك بحسب انحراف الطريقة الصوفية، وشدة ذلك الانحراف.
[2] انظر: (تحفة الزائر في تاريخ الجزائر والأمير عبد القادر) ، وهو مرجع سبق ذكره.
[3] انظر: (كتاب إحياء علوم الدين في ميزان العلماء والمؤرخين) (ص:37) علي حسن عبد الحميد. مكتبة ابن الجوزي. الأحساء. الهفوف. الطبعة الأولى (1408هـ- 1988م) .
[4] (إحياء علوم الدين) (ص:5) .
[5] (الأعلام) (4/ 46) .
[6] وكان قد أهدي له لدى زيارته باريس عام (1867م) .
[7] (الرحلة الحجازية) (3/ 200) .
[8] (أعلام المغرب العربي) (1/ 216) .
[9] (التجانية) (ص:61) .
[10] (الفكر والثقافة المعاصرة في شمال أفريقيا) (ص:51 - 52) أنور الجندي. الدار القومية للطباعة والنشر. القاهرة (1385هـ- 1965م) . [11] المصدر السابق (ص:63) .
[12] ) أي السودان الغربي (السنغال وما حولها) .
[13] ) (التيجانية) (ص:65) . وأرجع ابن الدخيل الله ذلك التناقض إلى دراسة الفوتي في الجامع الأزهر الذي كان له دور في توجيه حياته. [14] (الأعلام) (6/ 216) .
[15] (الفكر والثقافة المعاصرة في شمال أفريقيا) (ص:52) .
[16] (الأعلام) (6/ 188) . وهو صاحب فهرس الفهارس ومن كبار العاكفين على علم الحديث، نسأل الله السلامة. وللشيخ محمد بشير الإبراهيمي: (نشر الطي من أعمال عبد الحي في نقد سيرته) . (الأعلام) (6/ 54) .
[17] (الفكر والثقافة المعاصرة في شمال أفريقيا) (ص: 52) ، وقد توفي الشيخ"بن باديس"عام 1359 هـ عن نحو خمسة وخمسين عافًا، أوذي من القريب والبعيد، وجفاه أبوه، وقاطعه إخوته، واضطفدته السلطة المحتلة، وظل صابرًا محتسبًا ينشر دعوته، ويجاهد بقلمه حتى لبى نداء ربه، بعد حياة حافلة بالجهاد والتربية والعمل المثمر.
[18] (أعلام المغرب العربي) (1/ 306) .
[19] اسمه: الجيلاني بن عبد السلام اليوسفي الزرهوني، أُعدم بفاس يوم الخميس (23 شعبان 1327هـ) .
[20] اقرأ ترجمته ونبأ ثورته في: (أعلام المغرب العربي) (1/ 303 - 397) . وأطلق عليه المغاربة لقب: الدعي الفتان؛ لأنه ادعى أنه الأمير: محمد بن الحسن أخو السلطان عبد العزيز الذي كان مرشحًا في حياة أبيه السلطان الحسن للملك، ولكن الحاجب أحمد بن موسى النجاري اعتقله لما مات والده في ذي الحجة من عام (1311هـ) وأخذ البيعة لأخيه الصغير عبد العزيز، وكان بين الدعي وبين الأمير محمد بعض الشبه، وأتاحت له خدمته في القصر السلطاني أن يعرف كثيرًا من الأمور التي تقوي ادعاءه فادعى أنه الأمير محمد، وصدقه الكثير من السذج والقبائل.
[21] أخطر جاسوس فرنسي عاش في بلاط السلطان الحسن الأول وبلاط السلطان عبد العزيز. انظر: المصدر السابق (1/ 337) .
ومن المحتمل -وهو احتمال قوي- أن فرنسا عبر جاسوسها هذا قد زينت، لأبي حمارة أن يدعي أنه الأمير المذكور، ويقوم بثورته تلك، خصوصًا أنهما كانا يعملان معا في البلاط السلطاني. وقد جنت فرنسا من تلك الثورة المشئومة فوائد عظيمة، وكان إعلان الحماية على المغرب في أعقابها، وخسر المغرب من الأموال والعتاد والرجال ما لا يخطر على البال. وبعد أن قام أبو حمارة بالدور المطلوب تخلت عنه فرنسا، ليقع أسيرًا في قبضة السلطان عبد الحفيظ، الذي حكم بإعدامه.
(يُتْبَعُ)