فهرس الكتاب

الصفحة 23610 من 28557

أليس هذا أقرب إلى الوحي من كلام الغزالي الذي قال عنه تلميذه القاضي أبو بكر بن العربي (إن شيخنا أبو حامد دخل في بطون الفلاسفة ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر) وأبو حامد يقول عن نفسه (أنا مزجي البضاعة في الحديث) وهو من جملة واضعي القوانين التي رد عليها ابن تيمية رحمه الله في كتابه (درء تعارض العقل والنقل) ونصيحتي للكاتب - فإني أشم من نفَس كتابته أنه وَلَج هذا الباب - ألا فليتق الله فإن فيما أنزل الله على رسوله كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، قال سبحانه {أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} 51 العنكبوت.

ورحم الله السعدي إذ يقول"فلا كفى الله من لم يكفه القرآن ولا شفى الله من لم يشفه الفرقان ومن اهتدى به واكتفى فإنه رحمة له وخير".

وقبل ان أذكر الرد على قولك [أن العقل العظيم هو حجة قائمة لوحده في إثبات وجود الله وعبادته ونفي الشريك عنه وإن لم يرد بذلك شرع .. ] سأذكر تبرئة العلماء الذين نقلت عنهم مبينًا ما وقع في نقلك من تدليسٍ وتحريفٍ لمرادهم.

تبرئة ابن القيم

فأبدأ بتفنيد نقولاتك عن ابن القيم رحمه الله وهي ثلاث نقولات:

1 -فقد قلتَ في مطلع الصفحة الثالثة من مقالك: [فإن الله سبحانه ركب العقول في عباده ليعرفوا بها صدقه وصدق رسله ويعرفوه بها ويعرفوا كماله وصفاته وعظمته وجلاله وربوبيته وتوحيده وأنه الإله الحق وما سواه باطل فهذا هو الذي أعطاهم العقل لأجله بالذات والقصد الأول وهداهم به إلى مصالح معاشهم التي تكون عونًا لهم على ما خلقوا لأجله وأعطوا العقول له فأعظم ثمرة العقل معرفته لخالقه وفاطره ومعرفة صفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله وصدق رسله والخضوع والذل والتعبد له] .

هذا الكلام نسبته صحيحة إلى ابن القيم رحمه الله وعزو الكاتب لكتاب ابن القيم صحيح أيضًا وهو كتاب الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لكنه كلام مجتزأ يتبين لك من خلال قراءته كاملًا أن في اجتزائه غرض وراء ذلك ألا وهو النصرة لما ذهب إليه الأخ في مقالته، وقد أعظم في ذلك الفرية على ابن القيم وغيره من الأئمة، وحمل كلامهم على غير الأوجه التي من أجلها ساقوا هذا الكلام.

وإليك نص كلام ابن القيم كاملًا:

"الوجه التاسع والثلاثين بعد المائة"

إنكم أسأتم القول في العقل غاية الإساءة وقدحتم فيه أعظم القدح فإن الله سبحانه ركب العقول في عباده ليعرفوا بها صدقه وصدق رسله ويعرفوه بها ويعرفوا كماله وصفاته وعظمته وجلاله وربوبيته وتوحيده وأنه الإله الحق وما سواه باطل فهذا هو الذي أعطاهم العقل لأجله بالذات والقصد الأول وهداهم به إلى مصالح معاشهم التي تكون عونًا لهم على ما خلقوا لأجله وأعطوا العقول له فأعظم ثمرة العقل معرفته لخالقه وفاطره ومعرفة صفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله وصدق رسله والخضوع والذل والتعبد له فإذا أقررتم على العقل بأنه لا يدرك ذلك ولا يصدق ذلك به بل يعارضه ويكذبه ويرده فقد نسبتموه إلى أقبح الجهل وأعظم شهادة الزور وما كان هكذا فلا تقبل له شهادة في شيء فضلًا عن تقديم شهادته على ما شهد الله به لنفسه وشهدت له به رسله من أولهم إلى آخرهم. انتهى كلامه رحمه الله.

أنظر إلى قول ابن القيم رحمه الله: (إنكم أسأتم القول في العقل غاية الإساءة وقدحتم فيه أعظم القدح) هذه العبارة لم يوردها كاتب المقالة - هداه الله - فإن من قرأها بإنصاف علم أن في رد ابن القيم أمر وراء ذلك ومعلوم كما قيل أن الكلام سياق وسباق ولحاق، فإني لا أرى مثالًا لما يفعله هذا الأخ في الأخذ من نصوص العلماء مما يوافق هواه وينصر دعوته إلا كالذي يقول: (فويل للمصلين) ويقف عند ذلك الحد! والذي ينبغي لكل طالب حقٍ وهدىً إذا ما تفرغ لكتابة مقالٍ أو لتأصيل أصل أن يتخلى عن كل خلفية ويجمع كل همه على اتباع الحق ويكون مأمومًا للوحيين، أما من تبنى فكرة ويصبح همه بعد ذلك التدليل عليها وحمل نصوص القرآن والسنة وأقوال العلماء لموافقتها فإنه يقينًا لن يهتدي إلا لنصرة رأيه وفكرته جزاءً وفاقًا فيا رب هداك. قال ابن قتيبة رحمه الله في كتابه مشكل القرآن"إن المتكلمين يبتدعون بدعة ثم ينظرون في نصوص القرآن والسنة فإن وجدوا ما يوافق هواهم أخذوه وإن لم يوافق هواهم أولوه"

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت