فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وإذا كان الغربيون قد استطاعوا في علم الأديان -لتنقيبهم عن الآثار وتعلمهم اللغات- أن يضيفوا له إضافة البحث في الديانات القديمة على الرغم من أنهم لم يعتنوا بالعلم نفسه إلا في العصور المتأخرة 15 و16 م، فإن المسلمين يتميزون عن الغربيين في أن بين أيديهم مرجعًا عظيمًا ومصدرًا علميًا صحيحًا في هذا العلم يعطيهم ما لا يمكن للبشر الوصول إليه والقطع بصحته إنه (الوحي الإلهي) .
رابعا: باعث التدين:
البشر ما انفكوا عن رسلٍ يدعونهم إلى الله تعالى، دليل ذلك في قول الله".. وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ) (فاطر:24) ، وهذا ما أكده المختصون بعلم الآثار والبحوث الاجتماعية يقول هنري برجسون (لقد وُجدت وتوجد جماعات إنسانية من غير علوم وفنون وفلسفات لكن لم توجد جماعة بغير ديانة"
هذه الحقيقة التي ذكرناها تجعلنا نتساءل عن الباعث وراء تديّن البشر , مع أن الدين ليس من الماديات ولا من الشهوات، بل يتحكم الدين في كثير من تصرفات الإنسان وعلاقاته , ولهذا كثرت تفسيرات غير المسلمين في بيان الباعث على التديّن.
فقال بعضهم: الخوف من الطبيعة هو الباعث، إذ الإنسان ضعيف في مقابل الرعود والبروق والزلازل والحيوانات المفترسة، فهذا يجعله يبحث عن قوة غيبية مؤثرة ويؤلهها ويعبدها.
وقال آخرون: بل العقل هو الباعث , إذ هو ميزة الإنسان عن الحيوان , واستخدامه والتفكير فيه مع اللغة المستخدمة مع الجمادات والتي تصبغها بصبغة الأحياء (كقولنا الشمس تطلع) كل ذلك يجعل الإنسان يتخذها إلها.
وهذه الأقوال وغيرها لا تحتاج لمزيد عناء لإبطالها , إذ أن هذه البواعث المذكورة كثيرًا ما تكون غير موجودة ومع ذلك يكون التديّن سمةً ظاهرة تصدم الملحدين.
والصواب كما نعتقد نحن المسلمين أن الباعث على التدين هو الفطرة، قال تعالى"فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ" (الروم:30) ، وقال r ( كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه .. ) .
وأدلة الفطرة من القرآن والسنة بمجموعها تدل على أمرين:
1 -أن الفطرة الدالة على الإقرار بالرب إلها قابلة للتأثر والانحراف.
2 -أن المؤثرات التي تؤثر على الفطرة ثلاثة: الشيطان، والأبوان ويقوم المجتمع مقامهما حال فقدانهما وهو أقوى المؤثرات لشدة التصاق المؤثِّر بالمؤثَّر فيه، والثالث الغفلة.
وحكمة الله اقتضت أن تكون فطرة التوحيد عند الإنسان ضعيفة، ليتحقق الغرض من ابتلاء الإنسان بالخير والشر ثم جزاؤه على عمله, ومع ذلك فللفطرة فوائد عديدة منها: أنها تغرس في الإنسان التدين لله، وتغرس فيه أيضا قبول العبودية والانسجام مع لوازمها فتنفر من ما لا يتفق مع الفطرة، والفطرة كذلك ترجّح للإنسان الحق وتزيده يقينًا به.
خامسًا: بيان أن التوحيد سبق الشرك:
يزعم الملحدون أن الشرك أسبق في الوجود على الأرض من التوحيد وهو قول مبني على إنكارهم الخالق، وأما دليلهم على ذلك فقالوا: كما تطوّر الإنسان في صناعته فقد تطوّر في ديانته، وقالوا: إن حفريات الآثار دلّتهم على أن الناس كانوا مشركين وما عرفوا التوحيد إلا متأخرًا، ونرد عليهم قائلين: (1) إن الصناعات شيء مادي و الأديان شيء معنوي ولا يقاس معنوي بمادي، (2) ثم إن الصناعات تقوم على التجربة و انتظار النتائج بخلاف الدين، (3) يلزم من قياسهم الفاسد هذا أن يكون الإنسان في هذا الزمن في أعلى مراتب التديّن لأن الصناعة في أعلى مراتبها والواقع خلاف ذلك، (4) غاية ما تدل عليه الحفريات و الآثار أن الشرك وقع في الأمم ولا تدل على أسبقيته على التوحيد.
والحق الواضح أن الإنسان أول ما عرف التوحيد ثم بعد ذلك وقع في الشرك، والأدلة على ذلك كثيرة، منها أن الإنسان الأول وهو آدم عليه السلام كان يعبد الله وحده بل كان نبيًا، ومن الأدلة قول الحاج (أوانج كاي) من علماء إندونيسيا ( ... أهل ديارنا هذه كانوا يعبدون الله الواحد قبل أن يدخل الإسلام وقبل أن تدخل النصرانية) .
ـ [عبدالله بدر السعيد] ــــــــ [17 - Mar-2010, مساء 12:58] ـ
* الباب الأول: اليهودية *
تعريف كلمة (يهود)
(يُتْبَعُ)