فهرس الكتاب

الصفحة 2389 من 28557

هؤلاء الجهلة الذين إذا ما خالفتهم في أمر ما أو ذكرت لهم قول عالم معتبر قد خالف رأيه رأيهم تجدهم سرعى إلى الاستشهاد بقول الإمام مالك السالف الذكر: كل يؤخذ من قوله و يرد إلا صاحب هذا القبر ... و هذا حق لكن إذا تعلق الأمر بمن وقعوا فيه من أهل العلم فإنك تجد هذه القاعدة قد حذفت من حساباتهم، و كأن هذا العالم أو الداعية ليس بشرا ينطبق عليه ما ينطبق على البشر!!

و أحب أن أنبه هنا إلى أنني لا أقصد العمل بمبدأ الموازنات بالمفهوم المبتدع الذي روج له البعض، و إنما أقصد التريث في الحكم، و ترك أمر الحكم على العلماء لأهل العلم أنفسهم.

نعم ليس من الإنصاف في شيء أن نبدع عالما أو داعية، أو نخرجه من السلفية بسبب خطئ أو أكثر وقع فيه، دون النظر في هذا الخطأ و في حجمه، و هل هو من البدع الإعتقادية أم أن الأمر دون ذلك، نعم إذا كثرت أخطاء الرجل فالواجب التنبيه على أخطائه، اما إذا كانت أخطاؤه اعتقادية بدعية فالواجب حينها التحذير منه و من أخطائه. دون أن يجرنا الأمر إلى الوقوع في الأشخاص لأعيانهم، وقد سُئِل ابن تيمية عن الغزّالي فقال:"أمَّا هو فقد أفضى إلى ما قدَّم". و قال أيضا:"إنَّه مات وصحيح البخاري على صدره ... وأمَّا ما في كتبه من الضلال فيجب بيانُها للناس ليحذروا ما فيها ... )"

و هذا هو المنهج الصواب بيان الأخطاء دون الوقيعة في الأعراض.

لكن الأمر الذي نصطدم به اليوم هو غير ذالك!،فلا يكاد يمر يوم أو بضعة أيام حتى نسمع من يجرح ذاك الداعية أو ذاك العالم الذي ما علمنا عليه إلا خيرا، بل إن الطعن قد ارتقى ليشمل أناس عهدناهم من أهل العلم الربانيين المخلصين!!. و الله المستعان

و لنرجع إلى كلام العالم الرباني - محمد بن صالح العثيمين- أعلاه لنستقي منه بعض القواعد المهمة التي لو أخذنا بها لسلكنا الجادة.

-فالقاعدة الأولى التي بينها لنا الشيخ رحمه الله هي: اعتبار إخلاص النية في الحكم على المعين، و قد استدل عليها رحمه الله بانتشار مؤلفات النووي رحمه الله و لقائها القبول بين المسلمين.

و لو نظرنا إلى الكثير ممن نالهم الأذى من حملة شعار التجريح و التجريح من أجل إرساء المنهج السلفي!!!!!!. لوجدنا أنهم أناس ما علمنا عليهم إلا الخير، و مؤلفاتهم و أشرطتهم قد لقيت انتشارا واسعا و قبولا عظيما.

و المشكلة الآن هي: ما هي الضوابط التي تخرج الرجل من صف أهل السنة و الجماعة؟

هل الخطأ و الخطأين كافيان لإخراجه من صفهم، و بالتالي يهجر و لا يطلب العلم عنه؟

نعم قد يخرج الرجل من الإسلام بالخطأ الواحد لكنه إذا كان يصنف في قائمة البدع المكفرة، أما المسائل التي يسوغ فيها الخلاف فلا و ألف لا.

كما أنهم لا يعيرون اهتماما لأعمال هذا العالم و ما قدمه للإسلام، و ما نفع الله به على يديه، و هي القاعدة الثانية المهمة التي نبه عليها الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، و ليس خبر حاطب بن أبي بلتعة عنا بغريب، و لا بأس أن أسوق القصة كما جاءت في صحيح البخاري:

فعن علي رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه و سلم أنا والزبير والمقداد بن الأسود قال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة فإذا نحن بالعينة فقلنا أخرجي الكتاب فقالت ما معي من كتاب فقلنا لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب فأخرجته من عقاصها فأتينا به رسول الله صلى الله عليه و سلم فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم يا حاطب ما هذا قال يا رسول الله لا تعجل علي إني كنت امرأ ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسها وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي وما فعلت كفرا ولا ارتدادا ولا رضا بالكفر بعد الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لقد صدقكم قال عمر يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق قال إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)

و كما ترون فهذا رجل قد شفع له عمله الصالح على الرغم من انه وقع في أمر عظيم، فكيف بمن اجتهد فأخطأ مع ما له من العمل الصالح الذي يشفع له؟؟ فهذا يدور بين أجر و أجرين ما لم يتعمد الخطأ أو يتصدر قبل التأهل.

فالواجب أن نتنبه لهذا الأمر و نفرق بين من كان مناهضا لأهل السنة تغلب عليه البدعة، و بين من كان من أهل الحق و خالف كغيره في مسألة أو أكثر مجتهدا في ذلك كله.

إلا أنه لا بد أن نبين نقطة أخرى هنا و هي: أن أصحاب منهج التجريح من أجل التجريح لإرساء المنهج السلفي، يعتبرون كل رد منهم على مسألة من المسائل التي خالف فيها عالم هي حجة عليه، و أن إصراره على رأيه بعدها يعتبر منقصة له، و أنه حينها خالف الحق الأبلج، جاهلين أن ذلك لا يستلزم إقامة الحجة عليه لأسباب عدة تتجلى في عدة أمور منها:

-قد لا يعلم بالرد أصلا

-و قد يعلم به لكن لا يتبين له وجهه، أو لا يعتبره دليلا كافية يقاوم ما تظافر لديه من أدلة تؤيد ما ذهب إليه

-و منها أنه قد يكون رجع عن رأيه لكنه لم يتسنى له الإفصاح عن تراجعه عنه لنسيانه ذلك أو لاشتغاله بما هو أهم في نظره. و غير ذلك من الأسباب.

هذا ما تيسر لي التعليق به في هذه الساعة و لعل مداخلات الإخوة تتري هذا الموضوع.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت