فهرس الكتاب

الصفحة 24222 من 28557

الأول: أن الحديث على ظاهره، أي: أن الله خلق آدم على صورته حقيقة، فالضمير في (صورته) يعود على الله عز وجل كما جاء ذلك مفسرًا في الرواية الأخرى الصحيحة (على صورة الرحمن) التي صححها الإمام أحمد وابن راهويه وشيخ الإسلام ابن تيمية، ولا يلزم من كون الله خلق آدم على صورته، أن يكون مماثلًا له، وهذا ليس بغريب، لأن الله تعالى قال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) [الشورى:11] ، ولأنه لا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء، أن يكون مماثلًا له من وجه.

وبيانه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال: «إن الله خلق آدم على صورته» ، هو الذي قال: «إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر» متفق عليه، فهل أنت تعتقد أن هؤلاء الذين يدخلون الجنة على صورة القمر من كل وجه، أو تعتقد أنهم على صورة البشر لكن في الوضاءة والحسن والجمال وما أشبه ذلك على صورة القمر، لا من كل وجه!.

فإن قلت بالأول؛ فمقتضاه أنهم دخلوا وليس لهم أعين وليس لهم أناف وليس لهم أفواه!، وإن شئنا قلنا: دخلوا وهم أحجار!، وإن قلت بالثاني؛ زال الإشكال، وتبين أنه لا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثلًا له من كل وجه.

فأهل الجنة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر بدون مماثلة؛ لأن القمر أكبر من أهل الجنة بكثير، فإنهم يدخلون الجنة طولهم ستون ذراعًا، فليسوا مثل القمر لكن على صورة القمر من حيث العموم إضاءةً وابتهاجًا ونورًا، فإذا جاز هذا بين المخلوقين، فبين الخالق والمخلوق من باب أولى.

فإذا قلت: ما هي الصورة التي تكون لله ويكون أدم عليها؟

قلنا: قوله صلى الله عليه وسلم: (على صورته) أي على صورته التي هي صفته، فإن الله عز وجل له وجه وله عين وله يد وله رجل عز وجل، لكن لا يلزم من أن تكون هذه الأشياء مماثلة للإنسان، فهناك شيء من الشبه لكنه ليس على سبيل المماثلة، كما أن الزمرة الأولى من أهل الجنة فيها شبه من القمر لكن بدون مماثلة، وبهذا يصدق ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، من أن جميع صفات الله سبحانه وتعالى ليست مماثلة لصفات المخلوقين، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.

الثاني: أن الله خلق آدم على الصورة التي اختارها واجتباها وأتمها وأحسن خلقها؛ ولهذا أضافها الله إلى نفسه، من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، إضافة تشريف وتكريم، كما في قوله تعالى: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ) [الحج:26] ، ومعلوم أن الكعبة ليست بيت الله التي يسكنه، بل هو بيته الذي يعظم، وكقوله تعالى: (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا) [الشمس:13] ، ومعلوم أن هذه الناقة ليست ناقة الله التي يركبها سبحانه وتعالى، حاشاه من ذلك بل أضافها نبي الله صالح عليه السلام إلى ربه لتشريف هذه الناقة وتعظيمها، وكقوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ) [البقرة:114] ، ومعلوم أن المساجد هي للناس يصلون فيها، لكن أضاف الله المساجد إليه؛ لأنها محل عبادته، وأهل للتشريف والتكريم، وما أشبه ذلك من الآيات، وهذا وارد في القرآن، ولا يمتنع على الله عز وجل.

فقوله: (خلق آدم على صورته) يعني: على الصورة التي صورها الله عزَّ وجلَّ، فصورة آدم ليست كصورة غيره من البشر، ولهذا استحقت أن تضاف إلى الرب عزَّ وجلَّ تشريفًا وتكريمًا، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ) [الأعراف: 11] ، والمصور أدم، فآدم على صورة الله، يعني: أن الله هو الذي صوره على هذه الصورة التي تعد أحسن صورة في المخلوقات، ولهذا لا يقبح الوجه، ولا يضرب، فتتغير هذه الصورة التي خلقها الله عز وجل، وأضافها إلى نفسه تشريفًا وتكريمًا.

ومثله قوله عز وجل للملائكة عن آدم عليه السلام: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ) [ص:72] ، ولا يمكن أن الله عز وجل أعطى آدم جزءًا من روحه، بل المراد الروح التي خلقها الله عز وجل، لكن أضافها الله إليه على سبيل التشريف والتكريم.

ولكن إذا قال قائل: أيُّ الوجهين السابقين أسلم، الأول، أم الثاني؟.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت