أما تسمية المؤتمر بـ «مؤتمر قمة السلام» فلا تخلوا من دلالة على أن المؤتمر إما أنه عقد بموجب أجندة دولية أو بما يستجيب للأطروحة الغربية بشكل مباشر! خاصة، وعلى حد تعبير أحد المراقبين، أن تنسيقا بين الحكومتين البريطانية والتركية سبق انعقاده.
الطريف في المؤتمر أن أحدا من علماء الدول أو الشعوب المحتلة أو المضطهدة أو المهددة بالزوال لم يحضر المؤتمر ولم يُمَثَّل فيه لا من قريب ولا من بعيد. وكأنهم ليسوا جز من علماء الأمة. أو أن شعوبهم وبلادهم انتسيت وانتزعت من الوجود الإنساني. من هؤلاء الغائبين المغيبين علماء تركستان الشرقية وفلسطين وأفغانستان والشيشان وجامو وكشمير وتايلند ونيجيريا ... ، بل أن من حضر المؤتمر هم من خططوا له ولأهدافه ولمخرجاته سلفا. ثانيا: التعايش السلمي
لم تكن فتوى ابن تيمية هي الهدف بحد ذاتها خاصة وأن المؤتمر نفسه أعلن أنها منطلق لأعماله وتوجهاته، بل هدم فكرة تقسيم العالم الإسلامي إلى دارين (دار إسلام ودار حرب) ، وهذه فكرة لم يأت بها وحده ابن تيمية بل هي جزء من العقيدة الإسلامية. لكن المؤتمرين يعتقدون، بحسب البيان الختامي، أن: «تصنيف الديار في الفقه الإسلامي تصنيف اجتهادي أملته ظروف الأمة الإسلامية وطبيعة العلاقات الدولية القائمة حينئذ. إلا أن تغير الأوضاع الآن ووجود المعاهدات الدولية المعترف بها وتجريم الحروب غير الناشئة عن رد العدوان ومقاومة الاحتلال وظهور دولة المواطنة التي تضمن في الجملة حقوق الأديان والأعراق والأوطان استلزم جعل العالم كله فضاء للتسامح والتعايش السلمي بين جميع الأديان والطوائف في إطار تحقيق المصالح المشتركة والعدالة بين الناس ويأمن فيه الناس على أموالهم وأوطانهم وأعراضهم وهو ما أقرته الشريعة ونادت به منذ هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ووضع أول معاهدة تضمن التعايش بين جميع الطوائف والأعراق في إطار العدالة والمصالح المشتركة ولا يسوغ التذرع بما يشوبها من نقص أو خرق دول معينة لها للتنكر لها وافتعال التصادم بينها وبين الشريعة السمحة» .
إذن الأصل في التغيرات التي طرأت على البشرية استلزمت جعل العالم كله فضاء للتسامح والتعايش السلمي! وبالتالي فالنظم السياسية والدولية والشرعيات الدولية وكل منظوماتها صحيحة وشرعية ومتفق عليها بين الأمم والشعوب ومعترف بها! هذا التسامح والتعايش والعدل والأمن والأمان بدا واضحا في الصومال والعراق وفلسطين والسودان والجزائر ولبنان وباكستان وأفغانستان والبوسنة والشيشان وتركستان الشرقية وتايلاند وكشمير والفلبين ونيجيريا. أما النقص والخرق لهذا التعايش فقد قامت به فقط دول معينة مثل الولايات المتحدة التي غزت العراق مع 32 دولة بدون قرار من مجلس الأمن، وأوروبا الغربية وبعض الدول الآسيوية، وأثيوبيا، وإسرائيل، وروسيا وشرطة نيجيريا التي ذبحت آلاف المسلمين في الشوارع، والصين التي تقرض شعب تركستان الشرقية منذ أكثر من مائتي سنة حتى قاربت البلاد على الزوال. وهذا الخرق لا يؤثر على حالة التعايش السلمي والتسامح!!!
تعايش ممل بين الأديان والأعراق والأوطان تجاهل الحروب الطاحنة على الإسلام والمسلمين وتشويه سمعتهم وصورتهم والاعتداء على نبيهم ومنع بناء المساجد والمآذن وحظر النقاب ومحاربة الحجاب وإطلاق الرصاص على القرآن الكريم أو فرمه، ونهش لحوم المسلمات وقتل الأبرياء. هذا النوع من التعايش لم يرد في البيان، ولم يعرفه، ولم تتحمل فيه الشرعية الدولية ولا أية دولة معتدية أي شكل من أشكال المسؤولية، بل أن اسمها لم يرد في البيان أصلا.
أما أحمد أوزل المحاضر في معهد الدراسات الإسلامية في إسطنبول، فكان صريحا حين أشار في حديث لصحيفة «توداي زمان» إلى أن: «الإعلان النهائي للمؤتمر يخاطب العالم الغربي أكثر من العالم الإسلامي» ، وهو ما عبّر عنه قيام صحافيين أتراك بترجمة فورية لأعمال المؤتمر إلى اللغة الإنكليزية وتوزيعها على عدد من وسائل الإعلام الغربية. ولو قرأنا تصريحات مصطفى سيريتش مفتي البوسنة الذي ذبح شعبها بالأمس القريب لاتضحت الصورة أكثر ولزال العجب، فماذا يقول: «ليس علينا أن ننظر إلى الليبرالية العلمانية على أنها عدو للإسلام، بل علينا أن ندفع باتجاه أن يصبح النموذج العلماني الغربي أكثر استيعابًا للقيم
(يُتْبَعُ)