فهرس الكتاب

الصفحة 24342 من 28557

والعقلُ عقلان: عقل غَريزِيٌّ، وهو ما وضَعَه الله في الإنسان من قُوةِ الذِّهنِ في أمُورِ الدِّين والدُّنْيا، وعقلٌ مكتسبٌ، إذا انضم إلى العقلِ الغَريزِيِّ ازدادَ صاحبُه حَزمًا وبَصيرةً، فكما أنَّ العقلَ الغَريزيَّ ينمو بنمو الإنسان حتى يبلغَ أشُدَّه، فكذلك العقل المكتسب له مادتان للنمو:

مادةُ الاجتماع بالعقلاءِ والاستفادة من عُقُولِهم وتَجارِبهم، تارةً بالاقتداءِ، وتارةً بمشاورتهم ومُبَاحَثتِهم، فكم ترقىّ الرَّجُلُ بهذه الحال إلى مراقي الفَلاحِ، ولهذا كان انزواءُ الرجلِ عن الناس يُفوِّتُه خيرًا كثيرًا، ونفعًا جليلًا، مع ما يُحْدِثُهَ الاعتزالُ من الخَيالات وسوءِ الظِّنِّ بالنِّاسِ، والإعجاب بالنِّفس الذي يُعبِّر عن نَقْصِ الرَّجُلِ، وربما ضر البَدَنَ، فإن مخُالطَة النَّاسِ تفتحُ أَبْوابًا مِنَ المصَالحِ، وتسلِّيكَ وتُقَويِّ قَلبَكَ، وفي ضَعفِ القَلبْ ضَرَرٌ على العَقلِ، وضرَرٌ على الدِّينِ، وضرَرٌ على الأخلاقِ وضرَرٌ على الصِّحةِ.

"معاملة الناس بحسب أحوالهم"

وينبغي للإنسان أَنْ يُعاملَ النَّاسَ، بحَسبِ أَحوالِهم، كما كَانَ النَّبيُّ r يحسنُ خُلُقَه مع الصَّغِير والكَبِيرِ قال تعالى: (خُذِ الَعَفْو) . سورة الأعراف، الآية: 199.

أيَ خْذُ ما صَفَا لك من أَخْلاق الخَلقِ، ودَع عنْكَ ما تَعسرَّ مِنْها .. فيجالس أبناءَ الدُّنْيا بالأدبِ والمُروءة، والأكابِرَ بالتَّوقيرِ، والإِخوانَ والأصحَابَ بالانبساط، والفُقراءَ بالرَّحمةِ والتَواضُعِ، وأهلَ العِلمِ والدِّين بما يليقُ بِفضلهم .. فصَاحبُ هذا الخُلُقِ الجَليلِ تراه مبتهجَ النَّفسِ في حياةٍ طَيَّبةٍ.

"العلوم النافعة والعلوم الضارة"

وأَمَّا المادَّة الثانية للعقل المكتسب فهي الاشتغالُ بالعلُوم النَّافعةِ، فتستفيدُ بكُلِّ قضيةٍ رأيًا جديدًا، وعقلًا سَدِيدًا، ولا يزال المشتغل بالعلمِ يترقى في العلمِ والعَقلِ والأدبِ. والعلمُ يعُرِّفُك بالله، وكيف الطَّريق إليْه، يُعَرِّفُكَ كيف تَتَوسل بالأمُورِ المُبَاحَةٍ إلى أنْ تَجعَلها عِبادةً تُقربُكَ إلى الله. والعلمُ ( [34] ) يَقَومُ مقامَ الرِّياساتِ والأموالِ فمن أدركَ العلمَ فقد أدرك كلَّ شيءٍ ومن فاتَه العلمُ فَاتُه كلُّ شيء. وكل هذا في العُلومِ النَّافعةِ. وأَما كُتبُ الخرافاتِ والمجُونِ فإنَّها تُحِلل الأخَلاقَ وتُفسدُ الأفكارَ والقُلوبَ، بِحَثِّها على الاقتداءِ بأهلِ الشرِ، وهي تَعملُ في الإيمان والقلوبِ عمل النَّارِ في الهَشِيمِ.

"حقوق الأصحاب"

فلما تلا النصيحُ لصاحبِه هذه المواضِيعَ، وبرهنَ عليها.

قال له المنصوح: والله لَقد انجلى عنيِّ ما أجِدُ في أوَّلِ موضوعٍ تَلوتَه عليَّ، وانزاح عَنيِّ الباطِلُ في شرحِك الأولِ. وإنَّ مجلِسَك يا أخي ونَصيحتَكَ بهذه الطريقةِ النَّافعةِ تَعْدلُ عِنْدي الدُّنْيا وما عَلَيها، فأَحْمَدُ الله أولًا حيثُ قَيضَّكَ لي، وأشكُرك شَكرًا كثيرًا حيَثُ وفيت بِحقِّ الصُّحبة، ولم تَصنْع ما يصنعهُ أهْلُ العُقُولِ الذِّين إذا رأَوا من أَصحْابهم ما يسوؤهُم قَطَعُوا ( [35] ) عنهم حَبْلَ الوداد في الحالِ، وأَعَانُوا الشّيطَانَ عليهم، فازدَادَ بذلك الشَّرُّ عليهم، وضاعَ بينَهم التَّفاهُمُ وإني لا أنسى جميلَ معروفك حيثُ رأيتني سادرًا في المهامةِ مغرورًا بنفسي مُعجبًا برأيي، فأريتني بِعيني ما أَنَا فِيه، وأَوقفتني بِحكَمتِك على الهَلاكِ الذي وَقَعتُ فيه، فالآن أستغفرُ الله مما مضى وأتوبُ إليه، وأسألهُ الإعانة على سلوكِ مرضَاتِه، وأَفزعُ إليه أن يَختِمَ ( [36] ) بالصَّالحاتِ أعمالي، وأَحمدُ الله أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، فإنَّه مولي النِّعم، دَافعُ النِّقَمِ، غَزيرُ الجُودِ والكَرَم.

انتهى وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت