فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
والردة، كما ذكر البهوتي قد تكون نطقًا، أو اعتقادًا، أو شكًا، أو فعلًا، لكن يسوغ أن ندرج الشك ضمن الاعتقاد باعتبار أن الشك يكون في عمل القلب المتعلق بالاعتقاد.
ويمكن أن نخلص إلى أن الردة هي الرجوع عن الإسلام إما باعتقاد أو قول أو فعل، ولا يخفى أن هذا التعريف يقابل تعريف الإيمان بأنه: اعتقاد بالجنان وقول باللسان وعمل بالجوارح، وإذا قلنا: إن الإيمان قول وعمل - كما في عبارات متقدمي أئمة السلف - أي قول القلب وعمله، وقول اللسان، وعمل الجوارح، فإن الردة - أيضًا - قول وعمل، فقد تكون الردة قولًا قلبيًا كتكذيب الله ـ تعالى - في خبره، أو اعتقاد أن خالقًا مع االله -عز وجل - وقد تكون عملًا قلبيًا كبغض الله - تعالى - أو رسوله - صلى الله عليه وسلم-، أو الاتباع والاستكبار عن اتباع الرسول، وقد تكون الردة قولًا باللسان كسبِّ الله - تعالى - أو رسوله -صلى الله عليه وسلم- أو الاستهزاء بدين الله - تعالى -، وقد تقع الردة بعمل ظاهر من أعمال الجوارح كالسجود للصنم، أو إهانة المصحف.
فإذا تقرر مفهوم الردة، فإن من تلبّس بشيء من تلك (النواقض) يكون مرتدًا عن دين الإسلام، فيقتل بسيف الشرع؛ فالمبيح لدمه هو الكفر بعد الإيمان.
وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في هذا المقام: (فإنه لو لم يقتل ذلك [المرتد] لكان الداخل في الدين يخرج منه؛ فقتله حفظ لأهل الدين وللدين؛ فإن ذلك يمنع من النقص ويمنعهم من الخروج عنه) [الفتاوى 20/ 102] .
كما يقتل المرتد، فإنه لا يغسّل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرث ولا يورث، بل يكون ماله فيئًا لبيت مال المسلمين كما هو مبسوط في موضعه ومما يدل على مشروعية قتل المرتد ما أخرجه البخاري - رحمه الله - أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أُتى بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس - رضي الله عنهما- فقال: لو كنت أنا لم أحرِّقهم لنهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تعذِّبوا بعذاب الله، ولقتلتهم لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: من بدّل دينه فاقتلوه) .
والمراد من قول: (بدّل، دينه) أي بدل الإسلام بدين غيره؛ لأن الدين في الحقيقة هو الإسلام، قال الله تعالى: (( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ) ) [آل عمران: 85]
وقد التزم الصحابة - رضي الله عنهم - بهذا الحكم، فعندما زار معاذ بن جبل أخاه أبا موسى الأشعري - رضي الله عنهما - وكانا أميرين في اليمن، فإذا رجل موثق، فقال معاذ: ما هذا؟ قال أبو موسى: كان يهوديًا، فأسلم ثم تهوّد، ثم قال: اجلس، فقال معاذ: لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله (ثلاث مرات) ، فأمر به فقتل
وقد قام خلفاء وملوك الإسلام وفي عصور مختلفة بإقامة حكم الله - تعالى - في المرتدين تأسيًا برسول الله - صلى الله عليه وسلم-؛ فلا يخفى موقف الصديق رضي الله عنه تجاه المرتدين وقتاله لهم، وسار على ذلك بقية الخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان.
واشتهر المهدي الخليفة العباسي بمتابعة الزنادقة المرتدين، حيث عيّن رجلًا يتولى أمور الزنادقة.
يقول ابن كثير في حوادث سنة 167هـ: (وفيها تتبع المهدي جماعة من الزنادقة في سائر الآفاق فاستحضرهم وقتلهم صبرًا بين يديه)
ويعدّ الحلاّج من أشهر الزنادقة الذين تمّ قتلهم بسيف الشرع دون استتابة، يقول القاضي عياض: (وأجمع فقهاء بغداد أيام المقتدر من المالكية على قتل الحلاج وصلبه لدعواه الإلهية والقول بالحلول، وقوله:(أنا الحق) مع تمسكه في الظاهر بالشريعة، ولم يقبلوا توبته) وقد بسط الحافظ ابن كثير الحديث عن أحوال الحلاج وصفة مقتله، فكان مما قال: (قُدِّم(الحلاج) فضُرِبَ ألف سوط، ثم قطعت يداه ورجلاه، وحز رأسه، وأحرقت جثته، وألقى رمادها في دجلة، ونصب الرأس يومين ببغداد على الجسر، ثم حمل إلى خراسان وطيف في تلك النواحي) من أهم أخبار المرتدين وأكثرها عبرة ما سجله الحافط ابن كثير في حوادث 726هـ حيث (ضربت عنق ناصر بن الشرف أبي الفضل الهيثي على كفره واستهانته بآيات الله وصحبته الزنادقة.
قال البرازلي: وربما زاد هذا المذكور المضروب العنق عليهم بالكفر والتلاعب بدين الإسلام والاستهانة بالنبوة والقرآن.
(يُتْبَعُ)