فهرس الكتاب

الصفحة 24670 من 28557

ـ [ابن الرومية] ــــــــ [15 - May-2010, مساء 10:54] ـ

ما يقال في مؤرخ يذكر تراجم الناس على ما يعلم منها من خير و شر قاصدا بذكر الشر التنفير ممن يكون ذلك صفته مما عساه ينقل عنه في ذلك من أمر ديني .. و بما زل فيه تبعا لهواه .. و لا سيما اذا كان هذا المؤرخ ناقلا عن أحد ممن تقدمه ... و ذلك مع استحضاره و خوفه مما ورد في اتباع الهوى و عدم ميله اليه .. فاعترض عليه معترض فقال له: هذه غيبة لا تحل.؟؟؟

اجاب ابن حجر:

الذي يتصدى لكتابة التاريخ قسمان:

قسم يقصد ضبط الوقائع, فهو غير متقيد بصنف منه , ولكن يلزمه التحري في النقل: فلا يجزم الا بما يتحققه , و لا يكتفي بالنقل الشائع و لا سيما ان ترتب على ذلك مفسدة من الطعن في حق أحد من أهل العلم و الصلاح .. و ان كان في الواقعة أمر قادح في حق المستور , فينبغي أن لا يبالغ في افشائه و يكتفي بالاشارة .. لئلا يكون المذكور وقعت منه فلتة. فاذا ضبطت عليه لزمه عارها أبدا .. فيحتاج المؤرخ أن يكون عارفا بمقادير الناس و بأحوالهم و بمنازلهم , فلا يرفع الوضيع و لا يضع الرفيع ...

و القسم الثاني: من يقتصر على تراجم الناس ,فمنهم من يعمم , و منهم من يتقيد , و على كل منهما أن يسلك المسلك المذكور في حق من يترجمهم .. فالمشهور بالخير و الدين و العلم لا يتبع مساوئه فانه غير معصوم .. و المستور قد تقدم حكمه .. و المجاهر بالفسق و الفجور اذا خشي من ستر حاله ترتب مفسدة. كالاغترار بحاهه او ماله او نسبه. فيضم الى من ليس على طريقته., فهذا يجوز له بهذا القصد أن يبين حاله بالنسبة لرفيقه أو أخيه أو قريبه , كأخوين مثلا اشتهرا بالعلم , و أحدهما كان مشهورا بالعفة و الديانة و الآخر بعكسه. و ربما وجب عليه بيان حال هذا المجاهر اذا كان هناك من يغتر به.

و قد بسط شيخ الاسلام النووي القول في ذلك في آخر كتاب الأذكار و بين حال من يباح ذكره بما فيه ,و أحال عليه في زياداته على الروضة ,فمن أراد الوقوف عليه فقد أرشدته اليه.

و من جملته بيان حال المحدث , ثم الذي يتقيد بصنف من الناس تارة يكون محدثا , وتارة يكون غير محدث. فالمحدث أصل وضع فنه بيان الجرح و التعديل , فمن عابه بذكره لعيب المجاهر بالفسق , فهو جاهل او ملبس او مشارك للمجاهر في صفته. فيخشى ان يسري اليه الوصف ,ثم هذا المحدث يكون تارة بلغ رتبة الاجتهاد في الجرح و التعديل , وتارة يكون ناقلا عن غيره .. فالأول هو الذي تقدم تفصيل حاله , و الثاني يلزمه تحري الصدق في النقل , و لا يعتمد على مجرد التشنيع من كل أحد, فان للناس أغراضا متفاوتة. بل ينظر في الناقل له , فان كان ثقة , ليس بمتهم في المنقول عنه فليعتمده, و ان سماه فهو أبرأ لساحته , و ان شك فيه , فليقتصر على الاشارة. و لا يجزم بما يتردد فيه , بل يأتي بصيغة التمريض و ان كان الناقل له ممن ينسب الى المجازفة , او كان بينه و بين المنقول عنه حظ نفس فليجتنب النقل عنه .. فان اضطر الى ذلك.فليكشف أمره.

و قد خاض في ذلك من لم يشك في ورعه. كالامام احمد و البخاري , و هو القائل: ما اغتبت أحدا منذ علمت أن الغيبة حرام. و من المتأخرين الحافظ تقي الدين عبد الغني صاحب الكمال في معرفة الرجال, الذي هذبه المزي و لقد كان من الورع بمكان مشهور.

أما اعتراض من اعترض في ذلك زاعما أن ذلك غيبة, فان كان جاهلا فليعلم .. فان أصر فليؤدب بما يليق. ليرتدع عن الخوض فيما ليس له به علم. و ان كان منسوبا للعلم فاللوم عليه أشد. لأنه يصير معاندا , فليقابل بما يليق به من الزجر حتى يرجع عن الطعن في البريء , و الذب عن المفتري. و يثاب ولي الأمر أيده الله تعالى على ذلك. و بالله التوفيق. انتهى

ذكر الفتوى السخاوي في الجواهر و الدرر و نقلها محمد كمال عز الدين عن مجموع مخطوطات نشرته مجلة معهد المخطوطات العربية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت