فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [أبو الفداء] ــــــــ [01 - May-2010, مساء 05:58] ـ
مهلا يا أبا شعيب بارك الله فيك، ما هكذا تورد الإبل! وقد تعجبتُ من توقفك عند إجابة النصراني بقوله:
بماذا تجيبهم لو قالوا: ما معنى اليد التي تثبتها؟ .. هل هي بعض أم جارحة؟ أم إنك تثبت معنى لا تعي حقيقته؟ فإن قوله (بعض) و (جارحة) هذا تفصيل زائد على معنى اليد كما هو واضح، إذ اليد بمعناها المجرد إنما هي صفة تتصف بها الذات معلوم فعلها وعملها (وهو معنى الاتصاف بها بالأساس) عند صاحبها .. فإن قلنا معنى اليد يصح إطلاقه على ماكينة في مصنع للسيارات تنقل الأشياء من مكانها، أو على شوكة الجاروف في موقع البناء تنقل التراب من مكان إلى مكان = لم نكذب. فهي من حيث المعنى يد حقيقية، ولكن حقيقتها (كيفيتها) أنها ماكينة مركبة من أجزاء تعمل بطريقة كذا وكذا. كذلك في جارحة المخلوق الذي عنده يد، الجارحة عضو مخلوق مركب من أجزاء يعمل بطريقة كذا وكذا، وهذا التفصيل في جميع الأحوال (أنه ماكينة أو أنه عضو أو جارحة أو بعض مركب من أبعاض أو نحو ذلك) كل هذا زائد على المعنى المجرد الذي نفهمه لشيء اسمه"يد". وهذا التحقيق لمعنى اليد هو الذي نفصل به بين ما يسمى بيد الله جل وعلا، وما يسمى بيد الإنسان، أو يد الماكينة أو يد النملة .. الخ ... كل هذه معاني حقيقية لليد مع اختلاف كيفياتها.
وعندنا معاشر المسلمين قاعدة التعامل مع مثل هذا المعنى في حق الله تعالى في قوله (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) فكلما جاءتنا صفة من صفاته جل وعلا تشترك في معناها مع صفات المخلوقين = قلنا أمروها كما جاءت بلا تكييف، فإن معناها نعقله ولا نرى فيه تناقضا ولا امتناعا عقليا، ولكن حقيقتها أو كيفيتها لا نعقلها ولا نستطيع ونسلم بأنها على نحو يليق بذات الله تبارك وتعالى.
فعلى هذا التفصيل يتبين أن إدخال المعترض لكل من البعض والجارحة في تحقيق معنى اليد = إدخال فاسد ليس بلازم ولا تخدمه اللغة! وبمثل هذا الرد نرد كذلك على المخالفين من أهل القبلة ممن يدعون أن إثبات الصفات يلزم منه إثبات الأبعاض والجوارح والأجزاء لأنها داخلة في المعنى، وهذا باطل! هذه كيفيات لتحقيق معنى اليد فيمن يتصف بها، وليست من معناها!
فنحن نثبت المعنى ونتوقف في الكيفية!
أما النصارى في المقابل فعقيدتهم قائمة على إثبات معنى باطل رأسا!! وهو معنى الذات التي هي واحد وثلاثة في نفس الوقت! يعني ترجمتها بالمصطلح الرياضي الاختزالي: 3 = 1!!! فهذا معنى باطل وواضح التناقض، إذ الواحد والثلاثة لا يستيوان عند العقلاء! وكلما واجهناهم بهذا التناقض الفادح، رأيناهم يراوغون ويحاولون تصور معان أخرى لا تخدم ولا تطابق ذلك المعنى الباطل أصلا! فتراهم يقولون هو كالمثلث!! والمثلث كما هو واضح معناه = جسم متكامل مركب من ثلاثة أجزاء مستقيمة الطول، فهل هذا معنى الثالوث؟ هل الثلاثة هذه أجزاء لشيء واحد؟؟ حينئذ تراهم يقولون:"لا ليست كذلك، وهذه كيفية لا علم لنا بها، نتوقف فيها كما تتوقفون في كيفيات الصفات عندكم"!!! والحق أنها ليست بكيفية وإنما هو معنى هم الذين اخترعوه لمحاولة فهم وتصور ذلك المعنى الفاسد الذي يغني فساده عن تكلف الرد عليه! وهو معنى آخر بخلاف المعنى الذي يزعمونه! فهم يزعمون أن الرب ذات واحدة وثلاث ذوات في آن واحد، لا أن ذاته منقسمة إلى ثلاثة أجزاء كما هو معنى المثلث!! تعالى الله عما يصفون علوا كبيرا! ومن أشهر الأمثلة عندهم قولهم هو كالمصباح والشعاع الخارج من المصباح والسطح الذي ينزل عليه، كلهم النور فيهم واحد ولكنه تعدد في أحواله: ونقول لهم هذا أيضا معنى خلاف ما تريدون لأننا نصحح - عقلا - أن يكون للنور مصدر (المصباح) وشعاع منبعث منه، وسطح ينزل عليه، ولكن عقولنا تمنع من أن نجعل هذه الأشياء الثلاثة شيئا واحدا (ذاتا واحدة في الجوهر) !! ومن أمثلتهم قول القائل منهم: هذا مثل قولنا 1*1*1=1 وهذا مثال باطل أيضا لأن المعنى الرياضي لعملية الضرب يجعل معنى الواحد الأولى بخلاف معنى الواحد الثانية والثالثة، وفي الحقيقة هذه الأعداد (1) ليست ذوات مستقلة!! فلا علاقة لهذه الصورة أيضا بالمعنى الذي تدعون!! وعلى هذا فقس كافة ما يسوقونه من أمثلة لا تؤدي - ولا يمكن أن تؤدي - إلى ذلك المعنى الشيطاني الذي سبوا به رب السماوات والأرض جل وعلا! فهم في الحقيقة ليسوا متوقفين في الكيف كما يدعون وإنما في المعنى نفسه = لا يمكنهم شرحه ولا تصوره!
فأين هذا من صفة نفهم معناها ونعقله ولا إشكال فيه، ونتوقف في كيفيتها كما نتوقف في تصور ذات الموصوف بها تبارك وتعالى؟؟؟ وهل هم مع كل هذا الهراء الذي يحاولون به شرح معنى ثالوثهم = متوقفون في الإلهيات وفي الحقيقة والكيف كمثل توقفنا؟؟؟
فباختصار = قل للنصراني أن يعرف لك معنى كلمة (ذات) ومعنى كلمة (واحد) فإن معتقده يهدم هذا المعنى، وهو في منافحته عنه لا يتناول المعنى أصلا وإنما يحاول تصور معان أخرى لا دخل لها به، يريد أن يلصقها به حتى يفهمه (إذ لا يجد إلا التشويش بتلك الأمثلة الكاسدة على بطلان المعنى) !
أما نحن فلا إشكال عندنا في معنى كلمة (يد) أو (عين) أو (وجه) ، ومعتقدنا فيها لا يلزم منه إبطال ذلك المعنى، إذ لا يلزم من معناها عندنا ما يجعل الخالق مقيسا على خلقه ولا ما يحوجنا إلى الخوض فيه أو ضرب الأمثلة له كما يفعلون ولله الحمد!
وأما الوثنيون فهم في الحقيقة يزعمون أن الأصنام ليست هي المرادة بالعبادة وإنما المراد المعبود الذي ترمز له، ويزعم بعضهم أن ذلك المعبود يحل في ذلك الوثن، ويزعم البعض الآخر أن الوثن يتحول إلى طريق اتصال مفتوح بين العابد وبين المألوه الذي جعل له ذلك الوثن، وهم في ذلك على فلسفات شتى، وكلهم جوابهم واحد، بالإرجاع إلى الأصل العقلي لتوحيد الربوبية وما يلزم منه من امتناع الصاحب والشريك - عقلا - وامتناع الوسيط لذات العلة، كما تفضل الإخوة الكرام.
(يُتْبَعُ)