فهرس الكتاب

الصفحة 24702 من 28557

وبغض النظر عما إذا كان الموت الحيوي موتا تاما أم خلاف ذلك فإن المراد بيان أن ما تراه النفس أو الروح عند الموت ليس من اختصاص هؤلاء ولا يدخل في دائرة تلك العلوم!

هذه القضيّة نرجئها بعيدًا، لأنها تطرح قضايا عدة، تدخل من باب نظرية الاستدلال، و الموقف من الاستدلالات الصرفة البعيدة عن الوحي، و محالّها، و لها تعلّق في مسائل فقهيّة، يتعرضون لها في الموت السريري، فالعجالة لا تنفعنا لتقرير موقف سليم منها، و الله الموفق.

ـ [أبو الفداء] ــــــــ [18 - May-2010, صباحًا 08:31] ـ

في الحقيقة أخي الكريم: أنني أمتلكُ أدلة ترفع من نصيب استدلالك، سأوافيك بها، بعد تنبيهي و إياك على مسألة ٍ أراها منهجيّة في قضايا الاستدلال العقائدي، أسأل الله أن تكون على صواب، ألا و هي: أنني عندما حكمت على أنَّ هذه القضية من"عالم الغيب"و ليست من"عالم الشهادة"بحال، فلا يصح لا استئناسًا و لا توكيدًا و لا حكمًا مستقلًا أن يقول فيها الصحابي شيئًا من عندياته، إلا إذا جزمنا أن َّ ما قاله قد أتى به من النبي - صلى الله عليه و سلم -، و الاستشهاد حينئذ بقرائنه، و لعلك توافقني في ذلك إنْ شاءَ الله.

ولا يخفاك أن من كلام الصحابي ما يظن - دون الجزم - بأن مثله لا يقول مثل هذا بالرأي وإنما بالسماع ولابد، وإن لم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم .. على أي حال دعنا من هذا التفصيل في قضية قول الصحابي في العقائد بارك الله فيك، إذ سيفتح علينا بابا لا نريد فتحه الآن، وأنا إنما كان مرادي بيان أن الأدلة سواء كانت في مسائل عملية أو خبرية تتفاوت في منزلتها وقوتها، وللناظر أن يتمسك بما يراه صالحا للاستدلال منها ما لم يخالف إجماعا قديما أو يشذ بقول جديد لا سلف له فيه، والله أعلم.

في رأيي أخي الكريم، لفضِّ النزاع - و لا نزاع إن شاءَ الله - أننا يُمكننا حصر تفسير هذه القضايا، بأضغاث الأحلام و تخبطات الشيطان، لأن جزمنا بإحداهما، كما قلنا: جزم غير دقيق، و فيه جرأة على"عالم الغيب"، لاختلاف المحلِّ و عدم إمكانية الجزم بأن الحديث ينطبق عليها الانطباق التام، لفرق"حالة الموت"عن"حالة الغيبوبة".

لا جزم يا أخي الفاضل ولا قريبا منه، ولا يلزم أن يكون الاستدلال في المسائل الخبرية بالجزم والقطع!

لكن هنا وقفة للمدراسة: لاحظ التقرير النبوي: أن يتخبطني الشيطان عند الموت، نحن نجرم أنَّ"حالة فقدان الوعي"حالة غيبية لنا شهادة لصاحبها، لكنها ليست"حالة موت"و لا"حالة قرب موت"، و احتمالية الموت هنا احتمالية صفر - في ظننا كبشر -، فلا جزم في مثل هذه المواضع أبدًا، لا علامة حيوية، و لا علامة فقدان وعي!

لعلك لاحظت - بارك الله فيك - أني وصفت الحالة محل البحث بأنها حالة (مظنة الموت) سواء عند من رافق ذلك المصاب من الإنس أو من الجن .. ومثل هذه المظنة هي عند التأمل ما يراد بقول النبي عليه السلام (عند الموت) ، ذلك أنه من غير المتصور أن يكون للشيطان قدرة على مثل هذا العبث في حضور ملائكة الموت، ولكنه يتخبط من يراه فيما يصفه الناس في تلك الحال بفراش الموت أو مرض الموت، فيظهر للناظر إليها أنها سكرات الموت، حتى إذا ما غاب ذلك المريض عن الوعي، عمل الشيطان عمله معه قبل أن تأتيه الملائكة .. فإن جاءته فإن الشيطان يتركه، وإن لم تأته فقد تبع ما غلب على ظنه واغتنم الفرصة، وإلا فإن الشيطان لا علم له بالغيب ولا يدري هل هذا الإنسان قد حان أجله الآن في ذلك المرض أو في تلك الغيبوبة أم لم يحن، ولا يتبين له ذلك بيقين حتى يرى الملائكة، أو يرى الرجل قد رجع إلى وعيه وعافيته بأمر الله!

فلو تأملت هذا التحرير لمفهوم التخبط (عند الموت) لتبين لك وجه الاستدلال ههنا، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت