فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
والثاني: أنني على ثقة من أنه لن يتهور فيداعبني بكفيه الغليظتين؛ لأنني في بيته! وتناولت طعامه فأمنت غضبه، وقلت له: والآتي هو المعنى، وليس نص الحوار: (( إن الأولياء لا يدرك درجاتهم إلا من كان على درجتهم من الصفاء، والشفافية، وأنهم رجال أخلصوا لله .. فجعل لهم دون الناس ما خصهم به من آيات وأن .... وأن ... وأن .. وانتظر الدكتور حتى انتهيت من هجومي .. وأحسست أنه لن يجد ما يقوله .. وإذا به يقول:
• هل تعتقد أن أي شيخ منهم كان أكرم على الله من رسوله .. ؟
• قلت مذهولًا: لا ..
-إذًا كيف يمشي بعضهم على الماء ... أو يطير في الهواء .. أو يقطف ثمار الجنة وهو على الأرض .. ورسول الله لم يفعل ذلك .. ؟
كان يمكن أن يكون ذلك كافيًا لإقناعي أو لتراجعي .. لكنه التعصب - قاتله الله -!! كَبُرَ عليّ أن أسلّم بهذه البساطة، كيف ألقي ثقافة إسلامية عمرها في حياتي أكثر من ثلاثين عامًا .. قد تكون مغلوطة .. غير أني فهمتها على أنها الحقيقة، ولا حقيقة سواها!!
•وعدت أقرأ من جديد في الكتب التي تملأ مكتبتي .. وأعود إلى (( الدكتور ) )، ويستمر الحوار بيننا إلى ساعة متأخرة من الليل - فقد كنتُ من كبار عشاق الصوفية .. لماذا؟ لأني أحب أشعارهم وأحبّ موسيقاهم، وألحانهم التي هي مزيج من التراث الشعبي، وخليط من ألحان قديمة متنوعة ... شرقية، وفارسية، ومملوكية، وطبلة إفريقية أحيانًا تدقّ وحدها .. أو ناي مصري حزين ينفرد بالأنين، مع بعض أشعارهم التي تتحدث عن لقاء الحبيب بمحبوبه وقت السَّحر .. !
لهذا وللأسباب الأخرى .. أحببت الصوفية .. وكنت أعشقها، وأحفظ عن ظهر قلب الكثير من شعر أقطابها .. لاسيما (( ابن الفارض ) )، وكل حجتي التي أبسطها في معارضة (( الدكتور ) )، أنه وأمثاله من الذين يدعون إلى (( التوحيد ) )لا يريدون للدين روحًا، وإنما يجردونه من الخيال، وأنهم لا بد أن يصلوا إلى ما وصل إليه أصحاب الكرامات؛ لكي يدركوا ما هي الكرامات .. ! فلن يعرف الموج إلا من شاهد البحر، ولا يعرف العشق إلا من كابد الحب - وهذا أسلوب صوفي - أيضًا - في الاستدلال، ولهم بيت شهير في هذا المعنى!.
وحتى لا يضطرب وجداني، وتتمزق مشاعري ... حاولت أن أنقطع عن لقاء (( الدكتور ) ).. ولكنه لم يتركني .. فوجئت به يدق جرس الباب، ولم أصدق عيني .. كان هو .. قد جاء يسأل عني .. وتكلمنا كالعادة كثيرًا وطويلًا .. فلما سألني عن سبب عدم حضوري لصلاة الجمعة معه ...
قلت له بصراحة:
-لقد يئست منك! ..
قال: ولكني لم أيأس منك .. أنت فيك خير كثير للعقيدة.
قلتُ: إنه يستدرجني على طريقته، ولمحت معه كتابًا من وضعه عن سيرة الإمام (( محمد بن عبد الوهاب ) )
فقلت له: أعطني هذه النسخة .. هل يمكن ذلك ... ؟
قال: هذه النسخة بالذات ليست لك، وسوف أعدك بواحدة.
وهذه هي طريقته للإثارة دائمًا .. لا يعطيني ما أطلب من أول مرة .. فخطفتُ النسخة، ورفضت إعادتها له! ..
• وبعد منتصف الليل بدأت القراءة .. وشدني الكتاب موضوعًا وأسلوبًا .. فلم أنم حتى الصباح! ..
كان الكتاب - على حجمه المتواضع - كالإعصار، كالزلزال .. أخذني من نفسي ليضعني على حافة آفاق جديدة .. حكاية الشيخ (( محمد بن عبد الوهاب ) )نفسه .. ثم قصة دعوته، وما كابده من معاناة طويلة .. حينما كانت في صدره حنينًا، وكلما
قرأت صفحة وجدت قلبي مع السطور. فإذا أغلقت الكتاب لأمر من الأمور يتطلب التفكير أو البحث في كتب أخرى .. استشعرت الذنب؛ لأنني تركت الشيخ في (( البصرة ) )ولم أصبر حتى يعود .. أو تركته في بغداد يستعد للسفر إلى (كردستان) .. ولا بد أن أصبر معه حتى يعود من غربته إلى بلده! ..
يقول الدكتور في كتابه (( مجدد القرن الثاني عشر الهجري شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب ) ).
وبعد هذا التطواف والتجوال هل وجد ضالته المنشودة .. ؟ لا، فإن العالم الإسلامي كله كان يعاني نوبات قاسية من الجهل والانحطاط والتأخر .. عاد الرجل إلى بلده يحمل بين جوانحه ألمًا ممضًّا، لما أصاب المسلمين من انتكاس وتقهقر في كل مناحي حياتهم.
عاد إلى بلده وفي ذهنه فكرة تساوره بالليل والنهار.
لماذا لا يدعو الناس إلى الله؟
لماذا لا يذكرهم بهدي رسول الله .. ؟
لماذا ... لماذا ...
(يُتْبَعُ)