فهرس الكتاب

الصفحة 24988 من 28557

القول الأول: من قال بإثبات الملل والسآمة ودليله: فقد قيل بإثبات صفة الملل والسآمة لله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وهذا القول لا يُعلم عن أحد من السلف قاله، إلا نقلا عن ابن القاسم ولم يصح عنه أبدا، وقولا لأبي يعلى الفراء وليس في حقيقته إثبات أصلا، لأنه وإن أثبت الملال، فإنه فوض معناه ولم يُثبِته، فقال القاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات 1/ 370:"اعلم أَنَّهُ غير ممتنع إطلاق وصفه تَعَالَى بالملل لا عَلَى مَعْنَى السآمة والاستثقال ونفور النفس عَنْهُ، كَمَا جاز وصفه بالغضب لا عَلَى وجه النفور، وكذلك الكراهة والسخط والعداوة .."، ومن المعلوم لغة أن الملال هو السآمة كما بينته الرواية الأخرى التي سبقت، وهو أيضا الضجر واستثقال النفس كما مر، ولئن أنكر أبو يعلى المعنى، فأي إثبات للملل يريد، وهذا هو عين التفويض الذي أنكره الأئمة، فإنه أنكر سائر معاني الملل اللغوية ثم قال:"فإن قِيلَ: مَعْنَى الملل ها هنا الغضب، فيكون معناه لا يغضب عليهم وَلا يقطع عنهم ثوابه حتى يتركوا العمل، قيل: هَذَا غلط ..."، وليس السلف هم من فسر الملل بالغضب كما مر وسيأتي، ثم قال أبو يعلى: فإن قِيلَ: معناه: إن اللَّه لا يمل إِذَا مللتم، ومثل هَذَا قولهم: إن هَذَا الفرس لا يفتر حتى تفتر الخيل، وليس المراد بذلك أَنَّهُ يفتر إِذَا فترت الخيل، إذ لو كان المراد به هَذَا مَا كان لَهُ فضل عليها، لأَنَّهُ يفتر معها، وإنما المراد به لا يفتر وإن فترت الخيل، وكذلك قولهم فِي الرجل البليغ: لا ينقطع حتى ينقطع خصومه، يريد بذلك أَنَّهُ لا ينقطع إِذَا انقطعوا، إذ لو كان المراد به ينقطع إِذَا انقطعوا لَمْ يكن لَهُ فضل عليهم فعلى هَذَا يكون مَعْنَى الخبر أن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لا يترك الإحسان إِلَى عبيده، وإن تركوا هم طاعته قيل: هَذَا غلط، لأَنَّ الخبر قصد به بيان التحريض عَلَى العمل والحث عَلَيْهِ وإن قل، فإذا حمل الخبر عَلَى استدامة الثواب مع انقطاع العمل من العامل لَمْ يوجد المقصود بالخبر، لأَنَّهُ يعول عَلَى التفضل ويطرح العمل وجواب آخر: وَهُوَ أن حتى لَهَا ثلاثة أقسام: أحدها: أنها تكون غاية، وتكون بمعنى كي، وتكون بمعنى إِلا أن وليست بمعنى إِذَا"، فحصل أن أبا يعلى لم يُثبت أي معنى للملال إلا مجرد اللفظ فقط، وليس هذا بشئ في لغة العرب ولا عند السلف، وسيأتي مناقشة قوله، وكلام السلف على ذلك، وإن كان يُروى في ذلك عن ابن القاسم فلم يصح عنه أصلا، لأنه بلاغ ضعيف، ولا يحل لأحد أن ينسب لآخر قولا شنيعا هو منه برئ، فقال ابن عبد البر في التمهيد 7/ 152:"وقد بلغني عن ابن القاسم أنه لم ير بأسا برواية الحديث أن الله ضحك وذلك لأن الضحك من الله والتنزل والملالة والتعجب منه ليس على جهة ما يكون من عباده"، وهذا أثر ضعيف وابن عبد البر بريء من عهدته لأنه ذكره بلاغا ضعيفا، وقد خالفه ـ ابن عبد البر ـ نفسُه فقال:"قوله"إن الله لا يمل حتى تملوا"، معناه عند أهل العلم ان الله لا يمل من الثواب والعطاء على العمل حتى تملوا أنتم، ولا يسأم من افضاله عليكم إلا بسآمتكم عن العمل له، وأنتم متى تكلفتم من العبادة ما لا تطيقون لحقكم الملل وأدرككم الضعف والسآمة وانقطع عملكم فانقطع عنكم الثواب لانقطاع العمل، يحضهم صلى الله عليه وسلم على القليل الدائم ويخبرهم أن النفوس لا تحتمل الاسراف عليها وان الملل سبب الى قطع العمل"،"

القول الثاني: نَفْيُ الملال، وذِكر معنى حديث"حتى تملوا"، في لغة العرب وكلام السلف في ذلك: من المعلوم أنَّ أهل السنة لا يستدلون على إثبات الصفات إلا ببُرهانٍ دلالتُه نصِّيَّةٌ صريحة أو ظاهرةٌ، وبعْد النظر في هذا الحديث عُلِمَ أنه ليس بنصٍّ على إثبات الملال، ولا هو بالصريحِ في ذلك، بل ولا ظاهرٌ أيضا، وإنما هو محتمل لعدة أمور سأُبَيِّنها في معنى قوله:"حتى تملوا"، فإن"حتى"، لها عدة معانٍ واحتمالات كلها تدل على نفي صفة الملال والسآمة تعالى الله عنهما علوًّا كبيرا، إلا وجه واحد محتملٌ مأخوذ من مفهوم المخالفة، وقد تقدس الله عنه:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت