وقد يُستدل لهؤلاء بحديث لكنه باطل خرجه الطبري في تفسير سورة المزمل من طريقين عن موسى بن عبيدة ثني محمد بن طَحْلاء مولى أمّ سلمة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة قالت: كنت أجعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصيرا يصلي عليه من الليل، فتسامع به الناس، فاجتمعوا، فخرج كالمغضَب، وكان بهم رحيما، فخشي أن يُكتب عليهم قيام الليل، فقال:"يا أيُّها النَّاسُ اكْلفُوا مِنَ الأعْمالِ ما تُطِيقُونَ، فإنّ الله لا يَمَلُّ مِنَ الثَّوَابِ حَتَّى تَمَلُّوا مِنَ العَمَلِ وخَيْرُ الأعْمال ما دُمْتُمْ عَلَيْه"ونزل القرآن: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْل .."،"
المطلب السادس: النظر في كلام اللغويين: قد مضت طائفة من كلامهم، وقال الحموي في خزانة الأدب: وفي الحديث قوله:"فإن الله لا يمل حتى تملوا"، الأصل فإن الله لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا عن مسألته، فوضع لا يمل موضع لا يقطع الثواب على جهة المشاكلة وهو مما وقع فيه لفظ المشاكلة أولا .."،"
وقال ابن منظور في لسان العرب: وفي الحديث اكْلَفوا من العمل ما تُطِيقون فإِن الله لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا معناه إِن الله لا يَمَلُّ أَبدًا مَلِلْتم أَو لم تَمَلُّوا، فجرى مجرى قولهم: حتى يَشِيبَ الغراب ويبيضَّ القار، وقيل معناه: إِن الله لا يَطَّرِحُكم حتى تتركوا العمل وتزهدوا في الرغبة إِليه فسمى الفعلين مَلَلًا وكلاهما ليس بِمَلَل، كعادة العرب في وضع الفعل موضع الفعل إِذا وافق معناه نحو قولهم ثم أَضْحَوْا لَعِبَ الدهرُ بهم وكذاك الدهرُ يُودِي بالرجال فجعل إِهلاكه إِياهم لَعِب، ً وقيل معناه: إِن الله لا يقطع عنكم فَضْله حتى تَمَلُّوا سؤاله فسمَّى فِعل الله مَلَلًا على طريق الازْدِواج في الكلام كقوله تعالى: {وجزاءُ سيئة سيئةٌ مثلها} وقوله: {فمَنِ اعْتَدى عليكم فاعْتَدوا عليه} وهذا باب واسع في العربية كثير في القرآن،
المطلب السابع: تنبيه هام جدا في إثبات صفة الكيد والمكر لله تعالى: ذكر بعضهم أن قوله تعالى: {ويمكرون ويمكر الله} ، وقوله أيضا: {إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا} ، ونحوهما يدخل في باب المشاكلة اللفظية، وأنها كالحديث السابق، وليس بصحيح، لأن في هذه الآية نسبة ذلك الفعل إلى الله تعالى صراحة، بخلاف الملال.
أما عن صفة المكر: فقد وردت بدون مقابلة ولا مشاكلة لفظية، كما قال تعالى: {أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} الأعراف: 99"، وقال عبد الله بن مسعود وابن عباس:"الكبائر: .. والأمن من مكر الله"، وثبت عن ابن عباس أن النبي عليه السلام كان يقول:"اللهم امكر لي ولا تمكر علي"،"
وأما عن صفة الكيد فقد وردت أيضا من غير مقابلة، كما قال تعالى: {وأملي لهم إن كيدي متين} ،
وأما عن صفة الإستهزاء والخداع فلا تُطلق على الله إلا مقيدة بمن يستحق فعل ذلك به، كما قال تعالى: {يخادعون الله وهو خادعهم} ، قال الطبري في تفسير قوله تعالى: {لله يستهزئ بهم} بعد أن ذكر اختلاف الفرق فيها ثم شرح طريقة مكر الله وخداعه للمنافقين المخادعين قال:".. حشره إياهم في الآخرة مع المؤمنين وهم به من المكذبين إلى أن ميز بينهم وبينهم مستهزئا، وبهم ساخرا، ولهم خادعا، وبهم ماكرا، إذ كان معنى الاستهزاء والسخرية والمكر والخديعة ما وصفنا قبل، دون أن يكون ذلك معناه في حال فيها المستهزىء بصاحبه له ظالم أو عليه فيها غير عادل، بل ذلك معناه في كل أحواله إذا وجدت الصفات التي قدمنا ذكرها في معنى الاستهزاء وما أشبهه من نظائره"، ثم قال الطبري:"وأما الذين زعموا أن قول الله تعالى ذكره: {الله يستهزئ بهم} إنما هو على وجه الجواب، وأنه لم يكن من الله استهزاء ولا مكر ولا خديعة فنافون عن الله عز وجل ما قد أثبته الله عز وجل لنفسه وأوجبه لها وسواء قال قائل: لم يكن من الله جل ذكره استهزاء ولا مكر ولا خديعة ولا سخرية بمن أخبر أنه يستهزىء ويسخر ويمكر به أو قال: لم يخسف الله بمن أخبر أنه خسف به من الأمم ولم يغرق من أخبر أنه أغرقه منهم، ويقال لقائل ذلك: إن الله جل ثناؤه أخبرنا أنه مكر بقوم مضوا قبلنا لم نرهم، وأخبر عن آخرين أنه خسف بهم وعن آخرين أنه أغرقهم، فصدقنا الله تعالى ذكره فيما أخبرنا به من ذلك، ولم نفرق بين شيء منه فما برهانك على تفريقك ما فرقت بينه بزعمك: أنه قد أغرق وخسف بمن أخبر أنه أغرقه وخسف به ولم يمكر بمن أخبر أنه قد مكر به؟ ثم نعكس القول عليه في ذلك فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله، فإن لجأ إلى أن يقول: إن الاستهزاء عبث ولعب وذلك عن الله عز وجل منفي، قيل له: إن كان الأمر عندك على ما وصفت من معنى الاستهزاء أفلست تقول {الله يستهزئ بهم} و {سخر الله منهم} و مكر الله بهم وإن لم يكن من الله عندك هزء ولا سخرية؟ فإن قال: لا كذب بالقرآن وخرج عن ملة الإسلام ..."، والله الموفق.
كتبه أبو عيسى الزياني الجزائري