وفي تصوري أن عددًا من المتبنين للخطاب الإصلاحي ساعد بقدر كبير على صناعة الجو المشحون في واقعنا الفكري، حتى إنه ليُخيّل للقارئ أنه يعتقد أن الخطوة الأولى لمشروعه هي مواجهة الخطاب السلفي، مع جزمي بأن كثيرًا منهم لا يعتقد ذلك، ولكن خطابهم هو التي تسبب في حدوث ذلك الاعتقاد.
وتُعدّ المبالغة بصورتها السابقة أحد الأسباب - لا كلها - التي جعلت بعض نقاد الخطاب الإصلاحي يقول: إنه يبعض الوحي، وأنه يغالي في بعض جوانبه إلى درجة جحد الأبواب الأخرى، وأنه يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، أو يقول: إنه يعاني من اختلال مقاييس الأولويات، ويخالف فيها النصوص الشرعية، التي دلت على أن العقيدة من أهم ما يجب أن يحافظ عليه المسلم، أو يقول: إنه يحقر من التخصصات الأخرى، ولا يلقي لها بالًا ويعدها من الفضول، أو يقول: إنه يعاني من الأحادية الإصلاحية، فلا يرى إصلاحًا إلاّ عن طريق السياسة فقط، أو يقول: إنه يقلب الموازين فيحوّل الوسائل إلى غايات والغايات إلى وسائل، كما حوّل الحرية إلى غاية بدل تحكيم شرع الله تعالى.
ولا أريد هنا أن أؤكد وجود هذه الانتقادات لدى الخطاب الإصلاحي أو أنفيها، وغاية ما أريده تلمّس بعض الأسباب التي أدّت إلى أن يتصور النقاد تلك الأقوال.
وتُعدّ تلك المبالغة أيضًا أحد الأسباب في ظهور لغة الهمز واللمز والاتهام المتبادل بين الطرفين - الخطاب الإصلاحي وبعض نقاده -، وهي كلها أعراض مرضية لا تبشر بمستقبل مشرق.
الإشكالية الثالث: الانطلاق من النقد؛ فالقارئ لنتاج الخطاب الإصلاحي يُخيّل إليه أن بعض أفراد الخطاب غلب عليه الجانب النقدي والاشتغال بركام الآخرين، والبدء باستثارة المخالفين ومواجهتهم، والتنقيب عن أخطاء الآخرين وتسليط الأضواء عليها، وهذا لا شك أنه مخالف لمنهجية البناء الصحيحة؛ فالمشاريع الإسلامية البنّاءة تحتاج أول ما تحتاج إلى بناء الأسس الشرعية والفكرية، وتثبيتها، وفي تصوّري أن هذا لم يحصل في الخطاب الإصلاحي، بل إنه تجاوز إلى النقد اللاذع للخطاب المتهم بالعقيدة أو بالفقه أو بغيرهما من مكونات المشروع الإسلامي الكبير في أحيان كثيرة، وهذا الحال أوقعهم في تناقض منهجي؛ وذلك أن الخطاب الإصلاحي - كما أعلن عن نفسه- يتبنى قضايا التعايش والنهضة، ولكننا نُفاجأ بأن التعايش يخبو أو يختفي في التعاطي مع مقالات ومواقف المختصين بالعلوم الشرعية.
الإشكالية الرابعة: المراوحة في خانة الاحتجاج، وهذه الإشكالية هي نتيجة ضرورية للإشكالية السابقة، فالمتابع لأطروحات الخطاب الإصلاحي يجد أنها طرقت أبوابًا كبيرة، وطالبت بتغطية صحارى واسعة، ولكننا نُفاجأ بأنه لم يقدم لنا مشروعات متكاملة في تصوراتها وآلياتها وتطبيقاتها وتفصيلاتها، تتناسب مع حجم الأصوات المرتفعة التي أحدثها، ولا مع قدر الذم الذي وجّهه إلى المخالفين له.
فلم نشهد دراسات نهضوية وحضارية وسياسية تؤصل للمشروع الإسلامي الذي يدعون إليه، ولم نشهد ممارسات عملية في الواقع تتناسب مع حجم ما أحدثوه من ضجيج.
وهو يعيب كثيرًا على الخطاب المختص بالأمور الفقهية والعقدية بأنه لم يقدم دراسات تغطي احتياجاتنا، وإذا نظرنا في واقع الخطاب الإصلاحي نجده يعاني مما نقد به الآخرين، فلو ألقينا نظرة على أهم القضايا المتعلقة بالحضارة والنهضة التي أعلن التخصص فيها، والتي نحتاج فيها إلى دراسات واسعة تسعى مع الدراسات السابقة في العالم الإسلامي إلى تغطية الحاجة الملحة في بناء مشروعنا الإسلامي، ومن تلك القضايا: مفهوم الحضارة في الإسلام ومبادئها، والأسس والأصول التي تقوم عليها الفكرة الحضارية في الإسلام، ومكونات الفكرة الحضارية في الإسلام وحدودها، وطبيعة الفكرة الحضارية ومدى ارتباطها بخصوصيات الأديان، والدراسات التاريخية للحضارة وتطوراتها في الإسلام وتشكلاتها عبر التاريخ، والمفاهيم الحضارية الأخرى ومدى تطابقها مع مبادئ الإسلام، وغيرها من قضايا الحضارة والنهضة التي لا يمكن أن نكوّن رؤية ناضجة لمشروعنا الحضاري والنهضوي إلاّ بتناولناها بالدارسة والتأصيل، إذا نظرنا في ذلك كله فلا نجد الخطاب الإصلاحي قدم فيها ما يكفي، ولا ما يقارب قدر الكفاية.
(يُتْبَعُ)